الغرفة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

قدت سيارتي المتواضعة في شوارع مدينتي في رحلة سياحية مع بعض الأقرباء الزائرين، اخترقت شوارعها من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها

كعادة الدليل السياحي انتقيت أجمل المعالم وأروعها متنقلاً ما بين حدائق وأسواق وساحات، كنت فخوراً وأنا أرى الدهشة على وجوههم و كيف تتوسع الحدقات مع كل ابداع عمراني نمرُ أمامه ،شعرت أني جزء من هذه الإنجازات بشكل أو بآخر

كلما مررنا أمام ناطحات السحاب العالية وبيوت الأثرياء ، كنت أرى شفاههم تتحرك بتسبيح سري صامت، استغربت تلك المفارقة العجيبة، الأبصار بمكان والقلوب بمكان آخر أهو انفصال … ؟ أم أنه اندماج وتوازن ما بين الدنيا والآخرة …؟؟

اعادت تلك الجولات السياحية احياء الصراع اليومي الذي يشغل بالي ولا ينقضي همه منذ الصباح و لغاية ساعة النوم ، شراء المسكن اصبح سراب يقض السعي خلفه مضجعي و أنا أرى الأسعار تشتعل يوماً بعد يوم

أوصلتهم للمطار … دخلتُ شقتي الصغيرة المتواضعة تتدافع هواجس الاجار و العجز عن ايجاد الحلول أمام ناظري فاجتمعت مع حزن فراق الاحبة مشّكلةً غمامة سوداوية قميئة اعتصرت قلبي

فجأةً قفزت أمامي آية من القرآن الكريم، امسكت بيدي تناديني تطلب مني أن أندهش منها، مر الوقت ورغم انشغلي عنها بقيت تلح على

( أنا هنا ألم تستغرب مني…؟؟)

قلت لها هنية وأكون معكِ، جلست انظر في كلماتها اناقشها عسى أن ترويني ,ارشدتني لأخواتها, زادت دهشتي و استغرابي

لكن دموعي سبقتني، ارتجف قلبي كطفل صغير عرضت أمامه هدية جميلة، فطلبها وخشي أن لا يكون له نصيب فيها

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ.


أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا


وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ


لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا

صدق الله العظيم



” الغرفة “

إن تخيُلَنا لمساكن الجنة و قصورها و مساكنها النابع من آيات القرآن الكريم و احاديث نبيه صلى الله عليه و سلم تُحيلنا إلى المساحات الشاسعة و الغرف المتعددة، قصور مشرفة ذات حدائق و جنات من أشجار و رياحين تمتد مد البصر

استمعوا لهذا الحديث

 ‏عن ابن مسعود رضي الله عنه ‏‏أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها ألتفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين

فترفع له شجرة، فيقول: أي رب! أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم! لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب! ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها

ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها

ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب! هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها، فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب! أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم! ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين

فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر. وفي رواية: قدير. أخرجه مسلم وغيره

إن كان آخر من يدخل الجنة رجلٌ له الدنيا و مثلها معها بأراضيها و قصورها وحدائقها و نعيمها و ما فيها من خيرات و ثروات

فكيف بمن سبقه و علاه في الدرجات

مغزى الاستغراب و الاندهاش ، لم آخر من يدخل الجنة له الدنيا مضاعفة بينما المقربين المميزين لهم (غرف ) …. نعم مجرد غرف !!

خلال جولتي السياحية مع ضيوفي مررت على منتجع فاخر يقع في ضواحي المدينة، كان يقف هناك شامخاً على أعلى جبلٍ، يحتضن بحيرة عظيمة بماءٍ رقراقٍ جميل، كان المنظر أخاذ لدرجة أن أغلب من صعد الجبل ونظر للمكان بغاباته وبحيراته وفخامة الأبنية وجمال عمارتها يصابون بالصمت، وكأن الكلمات تُشغل قلوبهم وعقولهم عن الاستمتاع بتلك المناظر الرائعة

..

المنتجع بني على شكل قرية فوق منحدرٍ، أبنية تعلوها أبنية تصطف بشكل جميل متناسق مبدع، كانت عبارة عن فنادق وشقق سياحية مؤلفة من غرف، نعم مجرد غرف وكأن الشركة الهندسية التي صممت المكان أرادت أن تستغل المساحة لأقصى حد و لم تترك أي فرصة للإسراف في المكان، أما عن سعر المبيت في تلك الفنادق فهي أرقام تسمح لثلة فقط ممن يملك المال أن يستمتع بقضاء أيامٍ في ظل هذا النعيم الأرضي

..

أتكون غرف الجنة التي جعلها الله عزو جل لفئة مخصوصة من عباده عبارة عن موقع مميز جداً

لذلك تم استغلال المساحة بأقصى حد ممكن فكان لكل منهم غرف في هذا المكان، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا لا نعرف ماهيتها ولا مساحتها، ولا نوعية ولا كمية ولا شكل المتع التي فيها , اترك العنان لمخيلتك كي تحاول وضع التفاصيل …. لكن الذي نعرفه أنه موقعٍ عالٍ حتى أن أهل الجنة يرونه ككوكب دري في السماء

 إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ

غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ

«إنَّ في الجنة غُرَفاً تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا ، فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لِمَنْ أطابَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وصلى بالليل والناسُ نيام

ربما كان ذلك التشكيل المعماري المؤلف من غرف تعلوها غرف يشرف على اطلالة مخصوصة ذات نعيم مخصوص … الله وحده يعلم ما ابدع فيه من خير لكن الذي نعرفه انه مميز جدا لذلك لم يكن لعموم أهل الجنة

هل هو لثلة من أصحاب الأموال …؟؟ كحال الدنيا

لا

بل لمن أطاب الكلام

وأطعم الطعام

وصلى بالليل والناس نيام

اسأل نفسي و أياك ما هو شعورنا أذا وزعت تلك الغرف على اصحابها و لم نكن منهم ..؟

كيف سيكون حالنا …؟ و نحن ننظُر لسكانها هناك في الأعلى يُسعدون , نسمع حُبورهم ، ضحِكاتهم و نحن في الأسفل دونهم في النعيم

قال رسول الله ﷺ: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة




Leave a comment