مالي بالبنك و جسدي للجميع

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

  

لو امتلك أحدنا مئة ألف دولار نقداً

أو ورث مجوهراتٍ نفيسة نادرة

ماهي طرق حمايتها والحفاظ عليها من أطماع السراق …؟؟

من المؤكد أن المصرف سيكون هو اختيارنا الأول والمفضل

  هذه المؤسسات هي الأكثر أماناً لحفظ الأوراق النقدية والأحجار الكريمة

 ولكل ما غلا ثمنه وندر وجوده 

فيها أعلى درجات الحماية

 صناديق حديدية بأقفال وبوابات فولاذية

 أجهزة مراقبة وحراسات مشددة

 برمجيات مضادة من الاختراقات السيبرانية  

طبعاً الخدمات ليست مجانية، بل يتوجب دفع رسوم شهرية مقابل تلك الحماية

السؤال

هل تقبل أن تشارك الآخرين أموالك وثرواتك …؟؟

من المؤكد ……لا

 كم استغرق عقلك لكي يعطي الإجابة …؟؟

دقيقة أم اثنتين ….. يقيناً أجزاء من الثانية

سؤال

لم رفضتِ المشاركة …؟

هذه الأموال والمجوهرات يمكن أن تُظهر جمالها للعالم أجمع 

الحسنُ ليس عليك أن تحبسه في صناديق مغلقة

شارك الأخرين النظر إليها …. وربما لمسها وتحسسها

..

لا يوجد عاقل / عاقلة يشارك الآخرين ثروته وممتلكاته، ويجعلها مستباحة لمن شاء ساعة يشاء

من يفعلها سوف يتهم بالسفه ويحجر عليه بموجب القوانين

لكن يا للأسف هناك الكثير ممن يشارك الآخرين ما هو أغلى من المال والمجوهرات والسندات والممتلكات

ولن يُحجر عليه أو يلام، بل العكس تماماً مئات المنظمات والهيئات وأغلب الدساتير وعشرات القوانين تم إعادة تشكيلها لكي تُنظم وتشرع وتبيح

مشاركة أعظم ثروة يمتلكها أي إنسان على وجه الأرض

الجسد تلك القيمة المستباحة

نتسابق بسُعارٍ شهواني حيواني ما بين عارض وناظر لتلك الأجساد بمفاتنها وجمالها ورشاقة زواياها في نخاسة عالمية لم تسبقنا إليها أي أمة أو حضارة في التاريخ

نحن أجيال القرن الحالي تجاوزنا كل حجة منطقية وبرهان عقلي سليم وجعلنا الجسد هو القيمة المجانية التي يتم تداولها في بورصات الرغبات

رحلتي معك سوف تكون بثلاث محطات

” المحطة الأولى”

الفرق ما بين الذهب والجسد

جلست تشاهد برنامجك المفضل…… الأحداث تتسارع …….. في لحظة الذروة يظهر لك فاصل إعلاني

يبدأ الإعلان

إمرأه تبلغ من العمر التسعين عاماً ترتدي ملابس بحر فاضحة، تكشف تهالك أركان جسدها وانحناء زواياه

 بضع خصلات شعر بيضاء هي ما بقي على رأسها الأصلع، تتطاير حول وجهها ذو الخطوط الغائرة

 جلد مترهل متموج متعدد الألوان لا تعرف أين يبدأ وأين ينتهي   

تحاول جاهدةً الوقوف محدبة الظهر تائهة النظرات 

 تبتسم لك ابتسامة بفم خال من الأسنان

 تقول لك

  الحياة أجمل مع شركة (………) للتأمين على الحياة 

المستقبل أمامك استمتع به

لابد أن شعوراً مختلطاً أصابك ما بين رغبة بالضحك والاشمئزاز أو الاستغراب والاستهجان

 سؤالي لك: هل تتوقع أن تلجئ أي شركة دعاية وإعلان لاستخدام أجساد الجدات في الإعلان عن منتجات عملائها …؟؟

الجواب ما تراه بشكل يومي على الشاشات والطرقات ووسائل التواصل الإجتماعي

هل أنت متفق معي أن مطلق التركيز الإعلاني على استخدام جنس معين ضمن فئة عمرية تتمتع بالحيوية والرشاقة، السبب واضح ومعروف وليس محل خلاف

سيقان أنثوية عارية يمكن أن تعلن عن آلاف المنتجات التجارية بداية من الملابس والسفر والسياحة ولغاية السيارات والعقارات

لكن هل تتخيل سيقان ذكورية مليئة بالشعر يمكن أن تعلن لشيء غير مكنات الحلاقة

بورصة الشباب

الإشكالية هي قبولنا الضمني بتسعير الجسد واعتباره سلعة يزداد ثمنها بفترة الشباب والفتوة وتقل عند انقضائها  

التسليم بأن الإنسان سلعة ذات قيمة مالية تبعاً لمستوى الجمال ورشاقة الأطراف أو نضارة العمر هو أكبر ظلم نوقعه على أنفسنا 

 قيمة الإنسان أساسها هو تأثيره الإيجابي بمن حوله خلال فترة وجوده الزمني

تلك الإنجازات مهما كانت عظيمة أم بسيطة هي من بنت الماضي وأسست للحاضر وتؤثر بالمستقبل

الانسان ليس بضاعة تنتهي صلاحيتها، بل هو خلق ابداعي من بداية حياته الى ساعة مماته

” المحطة الثانية “

الرصاصة التي تطلق لن تعود وكذلك صورتك

حسب آخر الدراسات العلمية الدماغ البشري قادر على تخزين 2.5 بيتا بايت من المعلومات أي مليون مليار بايت 

الصور هي جزء من تلك الداتا التي تُجمع في الذاكرة

حركاتك، أجزاء جسدك، لون ملابسك…… حتى طريقة سيرك 

 سوف يُحتفظ داخل الأرشيف العصبي للناظر، تتجمع تلك المعلومات والبيانات لعشرات السنين، يتم استدعاؤها بناء على الطلب والحاجة، مهما طال الزمن سوف تبقى مخزنة هناك ,لا يوجد قوة مخلوقة على وجه الأرض قادرة على مسحها وإلغائها، أنت لم تعد تمتلكها أصبحت بالكامل مباحة للغير

 نعلم جميعاً قوة البصر في إثارة الشهوات والرغبات، التي إذا تحركت تحولت الى نار مشتعلة لن تهدأ إلا بإروائِها، الخيال قد يقوم بدون عمدٍ أو مع سابق إصرار بالبحث داخل أرشيف الذاكرة عن صور ومقاطع مسجلة لكي يطلق العنان لكتابة السيناريوهات الإباحية، فتستبيح الشهوة والرغبة حرمة صور تلك الأجساد وتهتك شرفها وعفتها،

 الأمر ليس مقتصراً على ذكر أو انثى، بل هما سواء في البلاء مع الأخذ بالاعتبار أن البعض لن يتوقف عند تلك الدقائق ولن يتقيد بقانون وضعي أو برهبة جهاز أمن وقوة عدالة القضاء، بل قد يستطيل الشر ويقدم على قول أو فعل يحمل الأذى بداية من التحرش وانتهاءً بجرائم اغتصاب وازهاق الأرواح

  فليس الجميع على السوية العقلية والأخلاقية والدينية

” المحطة الثالثة “

قاعة المحكمة

لها احترامها المقنن بنص القوانين ويعتبر توقير القاضي وهيئة المحلفين من الأسس التي درج الناس على تقديسها، فكل خطاب موجه لهم يجب أن يُسبق بكلمات التبجيل، للقضاء هيبته التي يخضع الجميع لها شاؤا أم أبوا

ومن ضمن هذه البروتوكولات المقررة عرفاً يأتي اختيار الملابس، فلابد أن يتسم بالاحتشام والرقي، فلا يُلبس البنطال القصير والقميص مفتوح الأزرار، بل لابد أن ترتدي ملابس تظهر جديتك وانضباطك فتكسب احترام القاضي وهيئة المحلفين بكونك عنصر جيد ضمن المجتمع    

السؤال ما الذي اختلف بين قاعات المحاكم من جهة وبين الشوارع والمقاهي ومقاعد الدراسة أو العمل من جهة آخرة هل هي درجة احترامنا لأنفسنا …؟؟

أم أنها المصالح ما بين منافع ومضار ألا ترون أننا نضع عدة طبقات من الملابس عند اشتداد البرد لكي نقي اجسامنا الضرر، ونغطي وجوهنا عند انتقال عدوى الأمراض، ونحمي أعيننا من ضوء الشمس ورؤوسنا من حرارتها

نحن نؤمن بكل هذا لكننا في محراب الغريزة الجسدية نرمي ما سبق وراء ظهورنا ,نلبس كل ما ضاق والتصق وكل ما كشف وهتك سعياً لإرضاء الذات بجمع أكبر عددٍ ممكن من نظرات الإعجاب و…..طبعاً الاشتهاء

فمن يعجب بجسد لن يعجب به لذاته تكويناً وابداعاً، بل طلباً للاستمتاع به وتمني الوصال معه، فلا نجد للرغبة مكان مع أجساد المرضى والمصابين أو اتجاه العجزة والمعاقين، بل هي بمجملها تسعى وراء النضارة والفتوة ففيهما تجتمع قسمات الفتنة وترتفع

لذلك كان الاحتشام و تغطية أجزاء  الجسد المرغوبة شهوةً اساساً في احترام الذات

معه لن تكون الرغبة الجسدية معياراً للتقدير و التعامل، بل سوف تنزوي بعيداً منتظرةً الشريك صاحب المعايير التي تناسب استقرارنا و سلامة حياتنا , معه فقط يمكن تفجير تلك الشهوات و إرواءها حتى تسكن و ترضى , فهي جزء أصيل جميل منا , بل هي نعمة من أجل النعم إذا وجهناها بالاتجاه الصحيح ولم نشوهها فتتوحش و تؤذي من حولها

الملابس هي الرسالة الأولى التي نرسلها للآخرين نخبرهم بها من نحن و ماذا نريد و ما هو مستوى تفكيرنا و المعيار الذي نريد أن نقيم بناءً عليه

انظر ماذا تلبس أقل لك من أنت

.

Leave a comment