
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ….. بسم الله الرحمن الرحيم
.
” انقلاب في السماء “
.
أن تميز عن غيرك بميزات تعلي من قدرك و شأنك ويخلع عليك من المنن ما ترفع فيه الى مقام عالي دوناً عن اقرانك ، ثم تخرج من ذلك كله بإرادتك وتكون من المطرودين المرجومين المبعدين وتنحط إلى أسفل السافلين بعد أن كنت في عليين، هذا لعمري أمر شديد
قصتنا اليوم هي قصة مخلوق سماه الله عز وجل ابليس نستعيذ بالله العظيم من شره وشر اعوانه وأن يحضرون
.
” المقام “
ربما كان ابليس صاحب ميزة ما, من عبادة أو طاعة أو أي عمل جعله مؤهلاً لكي ينعم عليه بمكانة ميزته على قومه و جنسه ورفعته لمقام رفيع
فيخاطب بخطاب واحد مع الملائكة و يكرم بالتواجد في مكان عال مميز ينعم بكرم الله و يُغدق عليه بسكينة القرب و رحمات الأمان
سواء أكانت تلك المكانة مكتسبة أم أنها هبة, إلا أنها حقاً نعمةٌ عظيمة جداً, لها دلالاتها المهمة , فهي توضح لنا أهمية العطاء الذي كان يتقلب فيه و التميز الذي خصص له
نحن طبعاً لسنا مكلفين بالبحث عن هذه الميزات سواء أوجدت حقاً أم لا , و لا عن كون المقام منح له تقديراً أم هبةً أم امتحان
بقدر ما نحن مكلفين بتحليل شخصيته ,و الأسباب التي دفعته لارتكاب ما يمكن اعتباره أكبر جريمة في تاريخ الخلق أن تعصي أوامر جبار السماوات و الأرض شديد العقاب بعد أن ميزك و أعلى من قدرك … و تسعى لدخول المليارات من الخلق نار جهنم ؟
أياً كانت تلك الأسباب لابد أنها ذات تأثير شديد دفعته لكي يسدد ثمن أليم و عظيم نتيجةً أتخاذه القرار المصيري الذي سوف يؤثر عليه و على نسله و نسل أدم لحين قيام الساعة
.
” الإنقلاب “
إن تلك المكانة التي خلعت عليه من المحتمل أنها أتت مع الكثير من النعم و العطايا و ربما القدرات و المسؤليات مما أهله للاطلاع على الكثير الكثير من دلائل قوة الله و عظمته و جبروته ورغم ذلك الإيمان اليقيني المبني على علم و فهم و مشاهدة لملكوت الله و و مقام رفيع و قدرات مميزة , إلا أنه كفر بأوامر الله وعصاه
وزاد في غييه و عصيانه أن اقسم بعزة خالقه أنه سينقلب على تلك النعمة التي وصل إليها بإتخذه محاربة الله و عباده عملاً و وظيفةً بل طلب من الله عز و جل أن يبقي عليه زمناً عسى أن يستمر بمهمته التي أوقف نفسه و ذريته لها , فلا يبقي من أولاد آدم ناجياً معافَ من فتنته
” البيان …. رقم واحد ”
.
كما يعرف عن الانقلابيين سواء اكانوا سياسيين أم عسكريين أن يصدروا بياناً يعلنون به عن سبب انقلابهم و عن الخطط و الأهداف التي ينشدونها
كذلك فعل ابليس الرجيم صاحب أكبر انقلاب تعرفه الأرض و السماء اصدر بيانه الأول يبين فيه سبب انقلابه و خططه و أهدافه و وسائل التنفيذ
.
بين الله لنا ذلك في آيات من سورة الأعراف , حيث قال بعد اعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
.
في الآية رقم 11 عرف صاحب الانقلاب عن نفسه و زكاها و فصل في أصله و سبب انقلابه
في الآية رقم 14 يطلب الوقت لكي يشمل شره كل فرد من أبناء ادم
في الآية رقم 16 استبدل مفهوم الامتحان بمصطلح الغواية , كعادة الظالمين يسمون المسميات بغير اسمائها عدواناً و ظلماً يحاولون طمس الحقيقة و يدفعون عنهم ابتداء الخطأ و الذلل و ينسبوه لغير انفسهم
في الآية رقم 17 تحت ضغط من جنون العظمة و الأنا المتضخمة أعلن كبقية المجرمين المهوسيين عن جريمته وكشف عن اسلوبه
.
” مخطط الأحداث ”
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
.
في الآيات السابقة
نجد : ثلاثة اجناس مختلفة تشترك في خطاب واحد
جنس الملائكة مادة الصنع { نور }………………………. نحن
جنس الجن ممثلاً بأبليس مادة الصنع { نار }………………… أنا
جنس الانس ممثلاً بأدم عليه السلام مادة الصنع { طين } ……. هو
.
نجد : تنافس بين ثلاثة أجناس { الملائكة , الجن , الأنس }
ترابط بين جنسين {الملائكة , الأنس }
تنافر بين جنسين { الجن , الأنس }
.
نجد : أربع و عشرين محور رئيسي : الأرض , خليفة , يفسد , يسفك الدماء , اعلم مالا تعلمون , علم ادم , الأسماء كلها , اسماء هؤلاء , إن كنتم صادقين , لا علم لنا , أنت العليم الحكيم , أنبأهم بأسمائهم , أعلم غيب السموات و الأرض , أعلم ما تبدون , تكتمون , اسجدوا , فسجدوا , إلا إبليس , أبى , استكبر , كان من الكافرين , أنا خيرٌ منه , خلقتني من نار , خلقته من طين
.
نجد : تسع أفعال رئيسية رسمت الأحداث : اخبار , استفسار , تعريض , تعليم , تنفيذ , اعتراف , أمر , طاعة , معصية
.
” الجوهرة الزرقاء ”
من ضمن مليارات مليارات الأجرام المبثوثة في صفحات السماء من كواكب و نجوم و ما نعلم و ما لا نعلم من خلق , هناك تسبح أغلى جوهرة في عقد الكون , درة الكواكب و المجرات , الماسة الزرقاء التي ترصع تاج الوجود , إنه الكوكب الفريد البديع
قال المولى إني جاعل في الأرض , مليارات الكواكب تصلح لكي يطلق عليها اسم أرض لكنه عز من قائل عندما اضاف ال التعريف , انصرف الخطاب لأرض محددة دوناً عن باقي الأجرام, و عندما استفسرت الملائكة انصرف كلامهم للأرض المعرفة حصراً
ألا يضعنا هذا أمام تصور عن مدى تميز كوكب الأرض كمكان عند الله عز و جل …؟؟
..
لِمَ لمْ تستفسر الملائكة من الخالق عن أي كوكب يريد ..؟
في أي نظام شمسي ..؟
في أي مجرة ..؟
في أي زاية من زوايا الكون ..؟
تريليوني مجرة موجودة في الكون المرصود الذي تصل المسافة إلى حافته المشاهدة 45.7 مليار سنة ضوئية
الملائكة عرفت الأرض التي يقصدها الله عز و جل مباشرة دون أي مجال للخطأ
..
..
إنها الأرض و إنه الخليفة
كان الخطاب بمثابة القرار الذي هز أرجاء الكون , أُعلن من خلاله أن التكليف قد ذهب لخلق جديد , لجنس لم يعهدوه من قبل
هل كان التغيير في مراكز القوة هو الذي قلب الموازين التي كانت قد استقرت , والتي عرفها و ألفها كل من الملائكة و الجن
هل كان الإعلان هو نقطة التحول عند ابليس ..؟
..
هل رأى أن هذا التميز الذي كان ينعم به, اصبح مهدداً من قبل لاعب جديد سوف يوضع بالساحة و ينازعه المكانة …؟
و هل ما شغل أبليس كان مكانة القرب و التفرد أم مكانة التكليف… ؟
..
من المعلوم أن كل من الجن و الانس هما جنسا المخلوقات التي اعلمنا الله أنه خلقهما و كلفهما بتكاليف و أنهما مخيران في قرار الإيمان أو الكفر و أنهما سوف يحاسبان يوم القيامة وأن النار سوف تكون مثوى للكافرين و الجنة مثوى للمؤمنين
هل وجودهما في ساحة اختبار واحدة و الترابط ما بين العالمين و وجود نقاط التقاء وتأثير هو محور الخلاف الذي اثر على ابليس و دفعه لاتخاذ قرار العصيان …؟؟
هل كان صراع على الموارد أم صراع على المكان , أم على المكانة …؟؟
..
هل هو سبب واحد أم مجموعة أسباب وراء اتخاذ ابليس قرار السقوط و الانقلاب من مقام القرب إلى مقام البعد و الطرد و الرجم ..؟؟
ربما مجموع كل ما سبق ذكره ..؟
إلا أنه يبقى هناك سبب ما ران على قلبه فحوله إلى حجر أصم فهو لا يمكن أن يتخذ قرار الانقلاب بشكل مفاجئ لا بد أن هناك شيئاً ما كان يملأ قلبه و أتى اعلان تنصيب الخلفية كتحصيل حاصل لما سبق أن تسربل به و كتمه و لم يبده
الجواب من الممكن أن نستشفه من قوله
” أنا “
جوابه كان صريحاً
كانت الأنا هي ما يشغله , ربما كان يرى نفسه أنه استحق مكان القرب وحده دون عن بقية المخلوقات المخيرة
هذا المخلوق الجديد الذي اختير لكي يكون خليفة للخالق على هذا المكان المميز , من الممكن أن ينجح في هذا الامتحان فيسبقه بالقرب والعلو و بالتالي تتحقق اسوء كوابيسه و هو أن يصبح بالمرتبة الثالثة بعد أن كان قد خرج من المرتبة الثانية و التحق بالمرتبة الأولى و اصبح مرافق للملائكة و مخاطب بخطابهم
هل كان يشعر بالنقص بينهم , فهو من نار و هم من نور ..؟؟
كيف يأتي هذا الطيني لا ينازعه في المكانة و يشاركه المكان فقط , بل يسبق الملائكة النورانية في القرب…؟
.
” نحن “
الأية الكريمة رقم ثلاثون من سورة البقرة تفتح لنا نافذة صغيرة ننفذ من خلالها لعالم المخلوقات النورانية , أعلمنا الله أنهم متفاوتون بالخلق فمنهم رسل ذو أجنحة ثنائية و ثلاثية و رباعية و منهم حملة العرش و منهم المسبحون و المستغفرون و الكتبة و الحفظة و خزنة الجنة و النار و حراس بوابات السماء و المصطفين و الرصد المخصصين لحفظ الرسل والرسالات …. الخ
النظرة العمومية لهم أنهم جنس من الخلق لا يعصون الله و أنهم يسبحون الله ليلاً و نهاراً , و أنهم مكلفون بأعمال ينفذونها دون رفض فهم مفطورون على الطاعة
هذه هي النظرة الشمولية العامة عن هذا العالم و هي صحيحة , لكنها تبقى قاصرةً عن وصف عالمهم
يغيب عن بالنا ما أرادنا الله أن نعلمه عن هذه المخلوقات العليا
أنهم خلق مؤمنون أي أن الله العلي القدير هو غيب بالنسبة لهم و ليس كما يتصور البعض أنهم كالوزراء بالنسبة للخالق يجلسون في مجلسه تعالى و تقدس الله عن أي شريك
إنهم ليسوا مخلوقات روبوتية كما نتخيلهم
نعم هم خلق يطيع لا يعصي إلا أنه أيضا لديه مساحة ما من التفكير , تجري بينهم الأحاديث وربما النقاشات , حيث استخدم الله عز و جل فعل قالوا لوصف ردة فعلهم على اخبارهم عن آدم و ذريته ,أي أنهم مخلوقات صاحبة ردود افعال و أنهم يتحدثون لأن الله عز من قائل استخدم فعل قالوا أي اصدروا اصوات لها معانى و التي لا تصدر إلا من خلق عاقل
استفسروا من الله عن هذا الخلق الجديد مستخدمين فعل اتجعل , هنا الاستفسار دليل على أنهم يحاكمون الأمور و يدرسونها و يفصلوها و يعملوا شي ربما يشبه ما نستخدمه نحن من محاكمة عقلية لأمر طارئ حدث امامنا أو طلب منا أمرٌ جديد لم نختبره مسبقاً , مما يقتضي الأستفسار
الحقوا استفسارهم بالظن أي أن استفسارهم كان ظني , فهم لم يختبروا هذا المخلوق الجديد ربما تفحصوه وعلموا عنه اشياء كثيرة لكن لم يحيطوا به كما يحيط به من خلقه و من يعرف مستقره و مستقبله و الحكمة من خلقه و الظن لا يأتي إلا ممن يُعمل مع العقل النفس و الباطن أي أنهم , اصحاب مشاعر
من كل الجرائم و المعاصي التي يمكن أن يرتكبها أي مخير مكلف ,لم أختارت الملائكة الإفساد في الأرض و سفك الدماء كتهمتين قد يرتكبهما هذا القادم الجديد
أعلنت عن ظنها بأنه سوف يفسد هذه الجوهرة المكنونة المميزة و الدرة الكونية ويعتدي على قضية ألهية خاصة يتفرد بها عن خلقه ألا و هي هبة الوجود و الحياة , , قد يكون سؤالها استفساري لو لم تلحقه بقولها و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك و الحقها الله بكشفه عما في قلوبهم إني اعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون , لقد زكوا انفسهم و بأنهم هم المسبحون و المقدسون و بالتالي ربما يكونوا هم المستحقون
هنا يأتي دور الأستحقاق هل هذا الجنس من الخلق النوراني كان يبحث عن المكانة أم المكان …؟
هذا سؤال عظيم و جوابه اعظم و هو قد يكون محور المهمة و الرابط الأساسي الذي جمع ثلاثة عوالم مختلفة
..
نعود لتلك الجوهرة الأرضية الزرقاء لعلنا نجد الجواب فيها
رغم أنهم من اصحاب القرب و القدرات و التميز و هم سكان السماوات الذين يعلمون الكثير الكثير عن ملكوت الله إلا أن شيئاً ما عظيم لدرجة أن يخرجهم من حالة الاستقرار التي هم فيها إلى حالة الاستفسار الظني محاولين اظهار مكانتهم وافعالهم و قربهم ,عسى أن يحصل هناك تغيير ما في المشهد
.
” فيها ”
لابد أن جنس الملائكة الذي يتكلم و يتناقل الأحاديث و يسبح و يقدس و يطيع ويعلم عن خلق الله و ملكوته و سماواته ما شاء الله له أن يعلم , قد عرف أن هذا الكوكب مميز ليس فقط بكونه يحتوي الخلق و الحياة متفرداً عن باقي الأجرام و إنما أيضا هناك شئ ما سوف يرتبط به
إنه التكليف لماذا تريد الملائكة التي لا تعصي أن تكون مكاننا على هذه الأرض و تحمل مهمتنا ..؟؟؟
هل علمت أن نتيجة هذه المهمة هو شيئٌ ما ,عظيم جداً ..؟؟
عظمته يفوق مجرد تميز و تفرد بحياة لا بد أنها زائلة في يوم ما
هل الخلود هو ما اقلق الملائكة ..؟
رغم كون الملائكة جنس عاقل يفكر و يتكلم ويَشرف بتنفيذ مهام , و له من مقام القرب ما رفعه عن الكثير من الخلق و مادة خلقه علوية هي النور , كل ذلك التميز الذي يتمتع به , إلا أنها تبقى مخلوقات يجري عليها ما يجري من سنن الله على خلقه و من أهم تلك السنن هو الموت , علمت أن الجنات هي مكان الخلود الدائم الذي لا موت بعده و أي موجود تنعم بنعمة الوجود لن يرغب بأن يعود عدماً
..
.
ربما لا شيئ مما سبق
.
ربما شيئ أخر أجل و أعظم من أرض مميزة و تشريف تكليف و جنات و بقاء و خلود
ربما شيء من النعيم المخصوص هو ما جعل مخلوقات علوية تغبط ذلك الطيني
ماهو هذا الشئ العظيم التي طاقت له الملائكة المقربون حتى أنهم حاولوا أن يزاحموا ادم و اولاده و رغبوا أن يخضووا الامتحان بدلاً عنهم
…
..
.
” أعظم نعمة ينعم بها على الخلق ”
.
مقام التجلي الأعظم
هل تاقت أرواح و نفوس الملائكة المكرمون
…لمقام لقاء المحبوب
هل أرادوا أن يتشرفوا بدرجة قرب تجعلهم يرون الله
هذا الاله الذي خلقهم و هم يؤمنون به غيباً و لم يشاهدوه أو يروه حتى أن الروح القدس , سيدي جبريل عليه السلام الذي قال عنه المولى ذي قوة عند ذي العرش مكين , هو روح الله وصفه بأنه مكين أي صاحب مكانة عند ذي العرش , رغم كل ذلك التميز
عندما حل مقام القرب وقف المخلوق النوراني و تقدم أبن ادم الطيني
هل تكون رؤية البديع الذي ابدع كل هذا الجمال هي غاية الغايات , هي الجائزة الكبرى التي اشتاقت لها الملائكة و تاقت لها الارواح
إنها أعلى درجات الفيوضات إنها رأس العطاء
نحن أيها السادة احفاد آدم تلك المخلوقات الطينية التي هي في سلم مادة الخلق قد نكون أقل المخلوقات شأناً, إلا أننا بحب خاص من الله خالق الأكوان و نعمة عظيمة وفضل يمكن أن نسبق الملائكة و الجن و الخلق في مقام القرب
.
هذه هي المهمة الغير مستحيلة التي من الممكن أن يقوم بها
.
“هو”
إنه الغائب الذي بدأ الصراع حوله في السماء و الأرض وهو مازال في طور الخلق و الصناعة . إنه المخلوق الذي خلقت له درة الكون و سخر له مافيها من خلق و ابداع و جمال و سكينة , و أخضع له كل ما فوقها و ما تحتها و ما يعلوها
أخضع لك 510.10 مليون كم 3 من الأرض , بجبالها و محيطاتها و بحارها و صحاريها و غابتها يعيش عليها ما يقارب من مليونين من المخلوقات الحية , كلهم مسخرين بين يديك
أخضع لك 93 مليار سنة ضوئية من الكون , بما فيه من مجرات يقدر عددها ب 200 مليار مجرة بكواكبها و نجومها و شهبها و اقمارها
ألم تعرف قدرك بعد :
أنت كرم الله
أنت ابداع الله
أنت خليفة الله
وعزة الله و جلالة قدره لو وعى البشر هذه الآية الواحدة من القرآن لذابوا حباً بربهم
قال الله تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَآيَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ
.
تفكر أيها الطيني
” مقامك “
اذاً خلق لك كوناً و أرضاً و سماءً ووعدت بجنةٍ و خلودٍ و رؤية المحبوب .. لِما ؟؟
هذا هو السؤال لما..؟
لِما اسجد لك الملائكة و فضلك على ما شاء الله من الخلق
لِما أعلا لك شأناً
ماهو المميز بك يابن آدم ..؟؟؟؟
.
هذا السؤال الذي سألته الملائكة استغراباً, لم تعرف سبب تمييز آدم و ذريته , عجزت أن تجد سبباً , فأقرت لله بقصور علم المعبود وقالت : لا علم لنا إلا ما علمتنا و شهد الله لنفسه بالعلم إني أعلم مالا تعلمون
علم المخلوقات محدود بما اختار لهم الخالق , فالخالق المتصرف بخلقه يخلق مايشاء على الكيفية التي يشاء و يخلع عليهم من النعم و العطايا ما يشاء و يكلفهم و يمتحنهم بما يشاء
فهو الموجد الخالق المحيط الخبير هذا هو لب و جوهر و نقطة الالتقاء مابين مخلوقات الله
يزداد ظهوره و يتجلى في المخلوقات العلوية من مثل الانس و الجن و الملائكة , حيث تلتقي بأنها مخلوقات لها مشاعر , تحب التمايز , تتمنى لنفسها الخير و الخلود و القرب لكن يختلف جنس الملائكة بكونه غير مخير في المعصية و الطاعة
قد يرغب و يتمنى و يكتم و يظهر و يظن لكن عندما يأتي الأمر الإلهي , ليس له الخيار فالطاعة هي الجبلة التي خلق عليها
و هنا يأتي تميز الجن و الانس في أنهم مخلوقات تختار , ألية الأختيار هي جوهر الامتحان في أن تختار التسليم و الطاعة رغم أنك
محدود الإحاطة
محدود العلم
محدود الخبرة
فتنسب تلك الطاعة للحكمة العظيمة الإلهية و تضع ثقتك بالخالق فتكون تلك الحظة الفارقة هي الإعتراف و الاستسلام بأنك منسوب لخالق و أنك مجرد عبد رغم ميزة الإختيار التي تتمتع بها إلا أنك تجدد مع كل امتحان تتعرض له أن هناك إله محيط و عليم و خبير
أن تختار الايمان بالله عز و جل هو جوهر تميز أولاد أدم , أن تختار بالحرية الممنوحة لك طاعة الله و التسليم لحكمته , ان تقاوم كل مغريات المعاصي و وساوس ابليس و اتباعه هي نقاط تفوقك على الخلق و قد تكون سر سجود الملائكة لك
باختيارك الايمان و ما يتبعه من عمل للصالحات , و تمسكك بأوامره تعلن فوزك بالامتحان
بينما رفضك و معصيتك لله منبعها شعورك بأنك كبير بما لديك من علم و احاطة و خبرة
و انك تستطيع أن تسير امورك درن الرجوع لهدى الله عز و جل
هذا هو اساس التكبر و الأنا الظلومة ,أن تستقل بنفسك المخلوقة عن خالقها فتجعل من نفسك إلهاً , فتنازع الله فيما له ولو كان الجزء التي تنازعه فيه من أمر الدنيا لا قيمة له أمام ملكوت الله إلا أنه هو محور الامتحان
..
.
هنا فقط سقط ابليس الرجيم بالامتحان , لم يعلم لِما ميز آدم و ذريته و كرم عليه ,لم يثق بحكمة الله ,و لم يسلم له
استقل بنفسه و بقراره , نسب لنفسه العلم و الفهم , جعل الأصل في الوصول هو للمادة المخلوقة و ليس للخالق , فهو مقرب لأنه مصنوع من نار , بينما ذلك الطارئ مخلوق من طين
رفض السجود، كما يرفض الكثير منا السجود، لأوامر الله , تكبراً و عجرفةً
في داخل كل منا جزء تلك السقطة من تلك الأنا الشيطانية
و في داخل كل منا جزء من هؤلاء الذين قال عنهم الله عز و جل إني أعلم ما لا تعلمون
هنا يأتي دورك في الاختيار أن يكون اسمك من ضمن , أسماء هؤلاء إن كنتم صادقين , أو أن تكون من الشياطين
” هم “
هؤلاء تصرف للعاقل إذاً من عرض على الملائكة كانوا من العاقلين، و صادقين تصرف للملائكة عندما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء , وهم تصرف لمن عرض على الملائكة و لم يعرفوهم و انبأ ادم بأسمائهم
أهم المصلحون الراشدون الذين سوف يقاومون الشر و أهله و يحيون الخير و يصلحون في الأرض و يحفظون الأعراض و الأموال و الأرواح , أهم خاصة الله من عباده الصادقون الراشدون العاملون .. الذين عَلِمَ الله اسمائهم و علّمها لآدم و انبئها للملائكة ؟؟؟
..
.
مهما كثر الفساد و عم الشر يبقى من أسماء ولد آدم ما شاء الله أن يكون
فهل اسمك ممن ذُكر أمام الملائكة و صدق الله عليه
إنه اسمك
إنه مقامك أو انقلابك ……. اختر ما تشاء