
كان يا مكان في قديمِ الزمان , غابةٌ كبيرة , قد مُنحت السعادة كلها , الأرض الطيبة و الهواء النقي و الماء الرقراق و الحيوانات المتنوعة و العصافير المغردة
كان يوجدُ من الأشجارِ أنواعٌ لا تعدُ ولا تُحصى , مما أعطى للغابةَ ألوانأ خلابة , وجمالاََ يأسِر العقولَ و القلوب
في أحدِ ايام الصيف الحارةَ , حصل هُجومٌ غريب من حشراتٍ , يقال لها (( المن )) , هذه الحشرةَ الصغيرةَ , تعيشُ على أغلب أنواع الأشجار و النباتات , تمتصُ غذائها و تَتَسببُ بجفاف أغصانها , ماعدا نوعٌ واحدٌ فقط من الشجر, يقال له الأرز هذ النوع لديه حماية إلهية , فورقُه إبري , و طعمه لا يستسيغه المن
تكاثر المنُ بشكلٍ كبيرٍ وسريعٍ جداً , اصبحَ هناك أعداد هائلة منه , و لم تعد توجد أيُ شجرة ٍٍسليمةٍٍ تستطيعُ الحشرات أن تتكاثر عليها
اجتمع مجلس شيوخٍ المن , و تباحثوا في الحلولٍ التي يجب أن توضع لضمان حياة الأجيال القادمة , قرروا أن عليهم التخلص من شجرالأرز , لكي يتسع المكان لنمو أشجارٍ اخرى , يستطيعُ الجيلُ القادمُ من المنٍ أن يعيشَ عليها
واجهت الحشراتُ صعوبةً كبيرةً في تنفيذِ مخطاطتها , فهذا النوع من الشجر لديه جذورٌ قويةَ , راسخةٌ عميقاً في الأرض , و غير قابلة للإقتلاع , وجذوعٍ ضخمة ٍعالية لا يمكن قطُعها , و أوراقها ابريةَ تحميهِ من الحشرات , فما هو السبيل لقلع أشجار الأرز
هنا تدخل مخلوق شرير يقال له .. الشيطان .. و قدم خطةً ماكرة لحشراتِ المن , و معاً ناقشوا تلك المؤامرةَ, و وضعوا فصولها و أجزائها
أُعلن في الغابة عن حفلٍ موسيقيٍ يحيه فنانون كبار, و نجوم لامعين من عالم الفن
لم تبدي أشجار الأرز أي اهتمام , و قالت إن أنغام العصافير تكفيها , و تُؤنسها , و تنشرُ السعادة في جنبات الغابة
علت أصواتُ الغناء والموسيقى الصاخبةَ أرجاءَ الغابةَ بطريقةٍ مزعجةَ و خاصةََ أنها كانت لا تنتهي إلا مع بزوغِ الفجر , و استمرت تلك الحفلات زمناً , حتى هجرتِ الطيورُ و الحشرات و الحيواناتُ المكان , لإنها لم تعد تستطيع النوم , لم يبقى صامدا في الغابة إلا أشجار الأرز, التي لم تعد تسمع زقزقةً العصافير , و بدأت شيئاً فشيئاً , تعتادُ سماعَ الموسيقا الصادرة من الحفلات التي تكاد لا تنتهي
..
بدأت الهمساتٌ تصدرُ من البعضِ عن جمالِ الموسيقا , وعن الرغبة ًفي حضورِ تلك المناسبات الراقصةَ , قالت حشراتُ المن , إذا أرادت أشجارالأرز, أن تحضرَ الحفلة , عليها أولاً أن تتخلصَ من أوراقها الإبرية , فهي تزعجُ الحاضرين
.
وافقت أشجارُ الأرز, والقت غطاء أغصانها على الارض , و أصبحت شبهَ عاريةٍ , وبدأت الحفلة تلك الليلةَ و علتِ الأصوات , لكنها مازالت لا تستطيع الحضور , سألت المن ؟؟؟؟ ماذا استطيعُ ان افعل , كي احضرَ الحفلة , فأنا ارى باقي الشجر و البشر, يطربون و يتمايلون على تلك الأنغام , اجابها المن : عليك ِ ان تُخرُجي جُذورَكِ من الأرض و تأتي للحفلة , و سوفَ يكونُ اسهلُ عليكيِِ الرقصُ و التمايل
انصاعت اشجارُ الأرز لأِقتراحِ ( المن ) , و أخرجت جذورها العميقةََ من الارض , و أخذت تتمايل الى ان وصلت الى تلك الحفلة التي كانت تتوسطها نارٌ عظيمةَ تشتعل , و جماهير غفيرة من الناس ترقصُ على اصواتٍ الغناء و الموسيقا
ارتفعت الإبتسامةُ على شفاه الأشجار , أخيراً تحققَ الحلمُ , و سوف نستمتعُ بحضورِ هذه الحفلةَ الى الصباح , لقد حُرمنا كل تلكَ السنوات من هذهِ المتعة و السعادة
إن تلك الأشجار التي بقيت و رفضتِ الحضور سوفَ تندم على موقفها المعارض لكل ماهو جديد , لقد حَرمت نفسها بإبقاء جُذورِها و أوراقِها , إنها ترفض التقدم و الحضارة
فقط التسلية هي مقياس السعادة الحقيقي
علتِ الأصوات , و ارتفعت الأيدي , و ارتجت اقدامُ الراقصين , و شاركت الأشجارُ بكل ما لها من قوة , في الرقص و التمايل, لقد كانت حفلةً ممتعةً
إلى أن حدثَ شئٌ غيرَ مجرى تلك السعادة
بدأت تلكَ النارُ العظيمةَ تخبوا و ضوؤُها يذهب , و تسلَلَ الظلامُ إلى تلك الساحة…………………….. و تعالت صيحاتُ من في الحفلةَ , أن أشعلوا النار و أكملوا الحفل الساهر
همس ( المنُ ) في أذُنِ مُنظِمي الحفل , أنَ هذا الحفل لن يستمرَ دونَ نار مشتعلة, و نورها المشع
لابد من اشعالها , علينا أن نُوقِدُهُا
أُعلن في الحفل أن اشعلوا النار , و دعوا الحفلَ يستمر إلى الصباح ………………..بدأَ الناسُ بإلقاء ما وجدوه حَولهم من أغصانٍ و أخشابٍ , لكن النار مازالت تخبوا
بدأت الجماهيرُ الهائجة , تنظرُ إلى تلكَ الأشجار , فهي بلا أوراق , و جذورُها خارج الأرض . إذاً هي جُذوعُ أشجارٍ يابسةَ, تصلُح للإحتراق و إشعالِ النار
أمسكت الجماهير بأشجار الأرز و حملتها بإتجاه النار , ظنت الأشجارُ البائسةَ , أن هذا جزءٌ من الحفلِ , و أن الناسَ تُريد أن ترقُص معها ؟؟؟؟؟
إلى أن حدث ما لم تُصدِقُه ………. لقد ألقيت في تِلك النار, أخذت الأشجارُ تصرخُ و تبكي و تستجدي الناسَ , أنها مازالت على قيدِ الحياة , أنها ليست أخشابً يابسة …………. كلما زاد ألمها و صُراخها وأرتفعت أصواتُ اشتِعال أخشابها , كانت الجماهيرُ تهوج و تموجُ , و تُلقي بالمزيد
لقد تحولَ الحفلُ إلى حالةٍ منَ الهيستيريا, أختَلَطت فيها أصواتُ العزف و ضَحِكات الناس بصراخ الأشجار و بُكائِها
مع كلِ ذلك الجنون المسعور, أرتفعت ألسنةُ اللهب عاليةً . و بدأ الشَرَرُ يتطايرُ بكلِ مكان , مشكلاً حرائقَ متفرقةَ في جنبات الغابةَ , لم يمض وقتٌ طويلٌ , حتى أمتدت النيرانُ في كافةِ اشجارِ الغابة , مُحرقةً كلَ شئٍ
ألتقت تلكَ الحرائقُ بعضُها ببعض . مشكلةً طوقً حولَ الغابة , لم يعد يستَطيعُ أحدٌ الخروجَ أو الدخول , تحولت إلى كرةٍ منَ اللهبِ المشتعل , أنقلبت فيها أصواتُ المحتفلينَ من ضَحِكاتٍ و صفيرٍ و تصفيقٍ…….إلى صراخ و فزع و خوف و عويل …… لقد أضاءت تلك المحرقة العظيمة سماءَ الغابةَ من شِدتها
مع بُزوغِ أول خيوط ضوءِ الشمس و أختفاء سوادُ الليل , سُمعت ضَحِكاتٍ مُرعبةٍ , هي أقرَبُ الى أصواتِ الوحوشِ و الجن منها الى أصواتِ البشر
إنها ضحكاتِ مخلوقِِ شريرِِ , أسَعَدَتُهُ تِلكَ المجزرةَ , بكلِ ما فيها من قسوةَ و ألم وعذاب و موت
لقد أحترقت الغابة بأكملها , لم تُبقى نيرانُها أي شئٍ , سوى الرماد…. رمادُ ما كان سابقا , لحشراتٍ و بشرٍ و شجر
لم تنتهي قصتنا بعد
تحتَ ترابِ و رمادِ تلك الغابةَ , يقبعُ شئ ما ….؟؟؟؟؟؟؟ ……………………. بذورٌ صغيرة طاهرة , سوف تنموا عما قريب و تعيدَ للغابة رونَقها و جمالها و عَظمتِها ………………… إنه يومٌ قريب
نحنُ بالإنتظار