
بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين
أجدادها يعودون في التاريخ إلى مئات الملايين من السنين , يُعتبرون من أوائل الكائنات التي عاشت على الكرة الأرضية
استيقظت جرثومتنا بطلة هذه المقالة في أحد أيام عام 2022 هي الجيل رقم 784226777632589969245000
..
سَبحت في ذلك السائل اللزج متلمسةً طريقها بين بني قومها من الجراثيم , تعرفت على جيرانها ,تبادلت معهم قصص و أحاديث الزمن السحيق
قالوا لها أن الوضع الخليوي الاحيائي ليس بأحسن حال ,أخبَروها كيف أن البيئة بدأت تتغير حولهم, شرحوا لها وجوب التكيف مع المتغييرات الكيميائية و الحرارية التي تطرأ كل حين
..
توجَهت لهم بسؤال: لمَ تحدث هذه التغيرات..؟؟ هل هي نتيجة عوامل و مؤثرات خارجية أم أنها طبيعة الأشياء ..؟؟
نظروا لها باستغراب , ماذا تعنين بكلمة ( خارجية ) ؟؟
نحن لا نعرف إلا هنا , ما هو الخارج ؟ ماهي حدودهُ ؟ هل يوجد جراثيم مثلنا ..؟؟
أم ربما كائنات بأشكال و أحجام و صفات أخرى ؟
إضطرب محيطها و تزلزل
عادت لهم ذكريات قديمة حول شائعات يتم تداولها ما بين الحين و الآخر عن وجود كائن علوي اسمه الانسان هو المسيطر و المغير ؟
..
أخذت جرثومتنا تفكر, تنظر, تحلل , استخدمت كل ما لديها من قدرات و مواهب , سَبَحت بكل اتجاه , تحسَسَت كل خلية و مساحة حولها , سألت, استقرأت ثم قالت …. أتيتُكم بالجواب
ليس هناك شيئ خارج هذا العالم لأني سافرتُ , درستُ و تبحرتُ , لم استطع أن أجد دليل قاطع على و جود عالم غير عالمنا أو مخلوقات غيرنا , لم ألمس …أو أرى … هذا الذي اسمه انسان
الحياة أقصر من أن نشغل أنفسنا بعوالم افتراضية قد تكون و قد لا تكون
انقضت الستونَ دقيقة سريعاً كأنها لمحةُ بصر , نظرت جرثومتنا الكهلةَ و هي على فراش الموت لمن حولها من أبناء و أحفاد قالت لهم بصوت ضعيف ………………………………………….الآن حقت ساعة …….
” الحقيقة “
أن بعضنا لا يختلف عن هذه الجرثومة البسيطة , يريد أن يقيس كل شيئٍ بمقاييس القدرات البشرية المحدودة و القاصرة
..
نظن أننا محور الحياة …… نحنُ الكون و الكونُ نحن
..
نختصر الموجودات و المحسوسات ضمن اطار ما نستطيع أن نراه و نلمسه و نشمه و نتذوقه و نفكر به ,رغم كل الضعف و العجز البشري الذي نعاني منه و محدودية الوجود المرتبطة بمرادفةِ الحياة و الموت, نريد أن ننفي وجود متحكم أعلى منا
معتمدينَ بقرارنا المصيري على معلومات و بيانات لا يرقى مجموعها أن يكون نقطةُ ماء في بحر
ننسب للعلم و العقل ماليس فيه من قدرات لكي نثبت أننا موجودين صدفةً دون هدف و غاية
العلم تراكمي متغير: ما علمهُ أجدادنا ليس ما نعلمه اليوم و ليس ما سوف يعلمه أولادنا و أحفادنا من بعدنا فلا يمكن الاعتماد على متغير ناقص في نفي وجود شيئ خارج القياس العلمي
العقل تحليلي قاصر: يعمل ضمن المتاح له من معلومات , لو اجتمعت عقول البشر جميعاً من أول البشرية لآخر يوم من الوجود لن تبدع أو تتخيل شيئً خارج عن المتوفر لها من بيانات , بالأساس ليس لها يد في انتاجها أو ابداعها أو تصميمها
كيف يمكن لقاصر محدود أن ينفي وجود شيئ هو ابتداءاً عاجز عن التفكير به أو تصور كُنهُ ..؟؟
..
“ماذا لو “
أجرينا مقارنة مابين عمر الكون المنظور من جهة و عمر البشرية من جهة ٍ أخرى
أي تصورات عقلية منطقية سوف نخرج بها ..؟؟
عمر الكون المنظور حسب فريق دولي من علماء الفلك في جامعة كورنيل * هو 14 مليار سنة
عمر البشرية حسب التطوريين لا يتجاوز 2.80 مليون سنة أو 8 مليون سنة لمن يريدُ حِساب السنوات التي عاش بها كقرد شامبانزي
الانسان صهر المعادن 4000 قبل الميلاد , استعمل الحديد 1500/1000 قبل الميلاد ,اكتشف الخلية عام 1665 , نظرة بسيطة نجد أننا كبشر احتجنا ل 2.8 مليون سنة لكي نتعلم مالذي يجري على سطح جلودنا و أننا بهذه المعلومات التافهة مقارنةً بما هو غير معروف حَولَنا اصبنا بالنشوة و السكر و جنون العظمة
الكِبرُ أعمى عيوننا كما أعمى جرثومتنا بطلة قصتنا
نصرخ بجنون خارج المنطق و العقل بأعلى صوتنا….. الجزء: يُحيطُ بالكل ..؟؟
العلمُ و المعرفة بأحسنِ أحوالهما غير قادرين على نفي وجود قوة علوية خارجية لكن
..
” ماذا إذا “
نزلت كائنات غير بشرية من الفضاء تكلم الناس و تقول لهم عليكم أن تطيعوا ملكنا الذي خلقكم , هو الرب , سيد الكون كله
هل نسمع و نطيع..؟؟ أم نطالب بالبراهين و الأدلة ..؟؟
و إذا جاءت الإثباتات هل نشكك بها ؟؟ ونطالب بما يتوافق مع أهوائنا و ميولنا و رغباتنا ومع ما توصلنا إليه من علم أم بأدلة تجاوز معارفنا بما نعجز عن تبريره
هل الإثبات الذي يتوافق مع قدراتنا العقلية اليوم سوف يبقى ثابتاً مع تطور من يأتي بعدنا أم لهم الحق بالمطالبة ببراهين متوالية و متجددة ..؟؟
هل الإعجاز كافي لكي تثبت هذه الكائنات أنها رسل الآلهة , ربما هي كائنات مخلوقة مثلنا تستغل معارفها الخارقة لكي تُسيطر علينا
.
طرح هذه النوعية من الأسئلة يزول البتة , لو أن رُسل الآلهة سواءً كانوا كائنات فضائية أم مخلوقات نورانية ( ملائكة ) جاءت برسالة دون التزامات أو واجبات تحد من رغبتنا الدفينة بالانتقال من دور العبد إلى دور الإله , نحن البشر بالمطلق نرفض تلك المحدودية و النقص الذي خُلقنا به , نكره الموت ,نتجنب المرض ,ننفر من الفقر و العجز و الجهل و الخوف … لأنها جميعاً تُذكِرنا بأننا لم نكن يوماً آلهة و لن نكون
الأوامر و النواهي , الحقوق و الضوابط مهما علمنا و تيقنا من خيريتها إلا أنها تحد من حريتنا و غرائزنا و رغائبنا و ميولنا و طلباتنا و تمنياتنا , لذلك نرفضها ابتداءاً و نطالب بأدلة و براهين على شرعيتها و إلزاميتها .
” كيف “
سنتعامل مع ديانة لا تحد من حريتنا , ولا تُطالب مشاركة الآخرين بجزء من أموالنا , ولا تخصيص حصة من أوقاتنا لمعرفتة صاحبها و فهمه و التواصل معه ,ولا حتى بضوابط أخلاقية فردية ومجتمعية ..؟؟؟
كيف نستقبل عقيدة تطلق لنا كامل الحرية الجنسية و الغرائزية و المالية دون قيود ….؟؟
هل نبحث عن الأدلة و البراهين على أهليتها ..؟؟
هل ننادي بتحكيم العلم و المنطق و العقل فيها ..؟؟
هل نطالب بأدلة وإثباتات مستمرة متطورة معجزة تناسب كل زمان و مكان تحت طائلة رفضها و عدم تقبلها ..؟؟
بأحسن الأحوال لن نكون مهتمين بالأجابة لسبب بسيط … لا حاجة …..لكون الإلزام منفي
لا داعي للمقاومة فلا أحد يمس سيادتنا و يحد من حريتنا التي نظن بنرجسية غبية أنها مطلقة غير مقيدة
نحن نأتمر ونطيع خاضعين مستسلمين لقانون سير طافح بكل أنواع القيود و الممنوعات و الإلتزامات و الواجبات تحت طائلة العقوبات المالية و الجسدية , لكن عندما يأتي قانون هو أجل و أرقى فيه كل الخير و الصلاح , يحمي أفرادنا و مجتمعاتنا نصرخ و نلوي رؤسنا تأففاً و اعتراضاً
..
.
سوف تنقضي الستون سنة و يأتي الأجل ، عندها تتجلى هيبة الموت ونرى ما رأته جرثومتنا .. نرى (الحقيقة ) لسنا آلهة بل مجرد أوعية زمنية مؤقتة , لها بداية و النهاية آتية لا محالة