” تيرمومتر الدمار”

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحياةُ تدب في كل زاويةٍ من زوايا الأرض

 الجمال ينبثق في جنباتها

عمرانٌ شاهقٌ يناطح السحاب

 أصواتُ النعيم و الخير تنتشر بأسواقها و شوارعها

 أسراب الطيور تحلقُ في سمائها الزرقاء الصافية

 ضحكاتُ الأطفال تزيدُ المشهدَ حسناً فوق حسنٍ

نظرةُ عاشقِ … تُلهب قلب حسناءٍ ينبض بالحب

..

هدوءٌ غريب ساد المكان

 الرياحُ سكنت، الطيور اختفت

 إبحث عنها لن تجدها في أي مكان..؟

..

نظر الناس حولهم باندهاش، رفعوا رأسهم للسماء …. ارتدت عيونهم دون جواب

دقائق مخيفة مضت

 همسات … أعقبتها … تمتمات

 عاد بعدها المارة لحياتهم ومشاغلهم اليومية

أحاديث تقال هنا وهناك  

تحليلات و إشاعات غطت هذا و ذاك

..

.

 غابت الشمس وأتى المساء

 الأبنية تحولت لشعلة مضاءة، أصوات الباعة تعلوا تدعوا لأطايب الطعام

ألحان تعزف بكل مكان … تلك المدينة ….لا تنام

انتصف الليل، الجمع يسمرون يضحكون ويلعبون

اقتراب الفجر

خرج أول ضوء للشمس

صرخات تُسمع من وراء الجدران، يعقبها جلبةٌ في الشوارع والأحياء

أصوات تعلوا

 جموع تركض …. تحتشد  في الساحات

 الأبصار تنظر للسماء

لونٌ أحمرٌ قانٍ صبغ الأفق، آلاف الشهب المشتعلة تتساقط تهوي من الفضاء، كتلٌ نارية تجر وراءها ذيول من تراب ودخان

الرهبة تملأ القلوب ….. تعصر الأعصاب

.

الكل يسأل….وليس هناك جواب

كل الأجهزة ……. صمتت

كأن الحياة …. تجمدت 

..

عاد القوم إلى بيوتهم مسرعين، يجمعون الثمين والنفيس …. لكنهم لا يعرفون إلى أين المسير

الصمت سيد المكان

يخرقه صوت طلق ناري …. يعقبه صراخٌ ونواحٌ وعويل

..

أتى المساءُ كئيباً تلك الليلة

لكنها مدينة لا تنام

ليس سمراً على طربٍ وغناءٍ وألحان

إنها أضواء النيران

تشتعلُ في الأفاق

..

  حاول سكان المدينة العودة لأعمالهم والإنشغال بأمور حياتهم

 أعناقهم لم تُطاوعهم، أبصارهم لم تعد تنظر لما على الأرض

فقد انشغلت بما يحدث في السماء

..

مرت الأيام والأشهر مريرة ,فقد زاد الظلام ولم تعد تُرى الشمس

الرمادُ لف المكان

إصفرت المحاصيل …. الرماد الساقط علا الأشجار … غطى الأبنية والعمران

الجوع سحق الأجساد …..الخوف استقر في الوجدان

..

هل تكون هذه

آية الدخان ….؟

…..

السلام عليكم

هذا تخيل تصويري لحدث ربما كان فيمن سبقنا، أو لحدث قد يكون في حاضرنا ومستقبلنا  

سردته لكي استحضر اذهانكم في محراب (آية) كلما قرأتها ازدت استغراباً فوق استغراب

..

استوقفتني الكثير من آيات الإنذار و الوعيد

 لكن هذه كان دوماً تُرعبني

كلما قرأتها أوقفتني و شغلتني

 كنت أرها ….  إنذاراً عظيماً

أسمعها تُحذرني … خطراً داهماً

 تيرمومتر الدمار

سورة الإسراء الآية رقم 16

وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا

شغلني سؤال

..

.

كيف تقع الإرادة الإلهية بتدمير قومٍ قبل صدورالأمر الإلهي بالإصلاح ….؟؟

لما يريد الله سبحانه في قوله أن يهلك شعباً قبل يأُخذ عليه الحجة و البرهان

من هم المترفين …؟

هل يوجه الأمر الإلهي للمترفين من دون العباد …؟؟  

كيف ولماذا  يؤمّر المترف إن كانت بتشديد الميم  ..؟

كيف ولماذا يؤمَر المترف إن كانت بفتح الميم …. …؟

أين بقية أفراد المجتمع ……؟

هل من العدل أن تباد قرية كاملة لأن المترفين فيها مفسدون …؟

لما شدد المولى لهم العقوبة وحكم بالدمار فجعله أقرب لحكم الإزالة الشامل …. فدمرناها تدميرا ..؟؟

” مترفين “

..

تَرَف ( اسم ) مصدره تَرِفَ عاشَ في تَرَفٍ , عاشَ في رغدٍ وسَعَةِ عيشٍ,في تَنَعُمٍ

المُتْرَفُ الذي قد أَبْطَرَتْه النعمةُ وسَعة العيْشِ (لسان العرب)

أَتْرَفَتْه النَّعْمةُ أَي أَطْغَتْه (معجم اللغة العربية المعاصرة)

أترفَ فلان أصر على البغي

استترف فلان: طغى وتكبر من الغنى والسعة (المعجم الوسيط)

..

الترف ليس بيتً فارهاً وطعاماً لذيذاً

الترف ليس أموالاً وتجارةً

..

الترف أن تكثر النعم حولك و تعم و تستمر و تدوم فتطغيك و تبدأ بنسبها لنفسك ,لقدرتك ,لقوتك ,لمعرفتك ,لعلمك ,لخبرتك

الترف هو أن تصل بكل تلك النعم والعلوم والاكتشافات والفتوحات للإستقلال عن المولى عزو جل

 أن تكون ديمومة النعم سبيلك للتكبر و الطغيان, فتعلن نفسك إلهاً صنماً مسيطراً , تحكم بمن حولك من خلائق بشهواتك و هواك

أن تعتقد أن العلم يغنيك و المال يشبعك و القوة تحميك

أن يعتقد المولود الفاني أنه خالد , أو أنه خلق عبثاً بلا غاية , أو أن طبيعة خرساء خلقته بنسخ غير متناهية رسمته , تارة بيد أخطبوط جعلته أو مخ قرد أهتدته , نطفات كائنات فضائية أنزلته , اختر ما شئت فيل … حوتٍ …أو حتى زرافة أجداده ,لكن لن يقبل أن خالقاً مدبراً خبيراً صورهُ

إقراره بوجود إلهٍ منظم ٍ لشؤون الكون و مخلوقاته يعني سقوط فساده و استعباده لأقرانه

” ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس ”

أصبح الفساد ظاهرةً عامة , بل هو القانون و العرف و التشريع

أصبح يدرس للأجيال في المدارس والكليات

تشن له الحروب وتحت رايته تزهق الأرواح

عم الفساد وانتشر حتى دخل كل بيت وأمسينا في زمن يبيت أحدنا مؤمناً ويصبح كافراً

تغلغل في تربتنا وعدل بذارنا جينياً

فأثمر مجتمعنا ….. ثماراً مترفة

أهلاً وسهلاً بكم في مجتمع الترف والمترفين

حيث يحكم أسافل الناس سادتهم

..

فأمرنا بفتح الميم / فأمّرنا بتشديد الميم

لما يا رب توجه أمرك للمترفين ..؟؟

لما يا رب تأمرهم و تجعلهم أصحاب الأمر و النهي ..؟؟

أين الصالحين ..؟

أين المصلحين .؟؟

أين بقية أفراد المجتمع ..؟؟

قالت له زينب رضي الله عنها أنهلك و فينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث … انظروا حولكم

يقول صلى الله عليه و سلم إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه …. انظروا حولكم  

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله و دع ما تصنع فإنه لا يحل لك , ثم يلقاه من الغد و هو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله و شريبه و قعيده , فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : لعن الذين كفروا …… سورة المائدة …. انظروا لأنفسكم

..

عندما نرى أصحاب العمائم يتولون الدفاع عن شياطين الأنس و الجن

و لا نسمع لأصحاب القلوب الراشدة قولاً ولا همساً , حتى أنين عذاباتهم و صرخات ألامهم تقلق راحتنا

ما بين طريد و شريد

ما بين مسجون و شهيد

خبا تأثيرهم و عم الخبث

أهلاً و سهلاً في مجتمع  يتولى المترف الفاسد أمر الإصلاح

يأتي الأمر النهائي للمترفين المسيطرين , أصحاب الأمر و النهي لكي ينشروا العدل و القسط

تؤخذ عليهم الحجة و البرهان

إن رفضوا و عتوا و تجبروا …. أتى أمر الله ( تدميرا )حالهم حال من سبقهم من أمم دمرهم الله عز و جل و سحقهم و شردهم

..

ظهور الثمار الفاسدة ( المترفين ) هو الدليل على أن المجتمع وصل الى مرحلة الفساد الأعظم مرحلة اللاعودة

أصبح الإصلاح غير ممكن

المصلحين ( صمام الأمان من غضب الله ) ( أمل المستضعفين )

تم إخراجهم أوإغوائهم , القضاء عليهم و تصفيتهم

حتى تحول المترفين هم أصحاب اليد الوحيدة القادرة على التغيير

تيرمومتر الدمار

..

مجتمع فاسد غير قابل للإصلاح بعزل مصلحيه و تجفيف منابعهم سينتج ضغنة مترفة منعمة تُسلِمهُ لأمر الله

وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا

..

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

آيات الترف

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ 

وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ 

وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا

فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ

حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ

وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ

Leave a comment