
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
عندما كنت بمقتبل العمر أثار استغرابي عدم تكافؤ أدوات المعركة القائمة بين الخير و الشر !!!
كيف للشر أن يستخدم كل أنواع الآثام والجرائم لتحقيق مصالحه، بينما الخير يخضع لقواعد أخلاقية صارمة لا يمكن له الحياد عنها تحت طائلة العقوبات الربانية في داريي الدنيا والآخرة
لِما يُلزم أصحاب الخير بالعمل ضمن ميثاق يشمل قدسية الدماء وحرمة الأموال والأعراض في مواجهة من ليس له ضوابط
ولا قواعد ولا منطلقات
مع هذه المواجهة الغير متكافئة من المستحيل أن ينتصر العدل و ينتشر السلم
..
بقي هذا السؤال يتردد مع كل مجزرة وهزيمة تلحق بالمظلومين المضطهدين , حتى مررت بأحد الأيام على سورة البقرة الآية الخامسة والأربعون
يقول الله عز وجل
واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين …صدق الله العظيم
أعادتني الآية الكريمة للمربع الأول المعادلة القديمة التي كانت تشغلني … خيرٌ مكبل الأيدي مقابل شرٌ مطلق الصلاحيات
رغم كل الإبداع و الجمال الذي خُلقنا به إلا أننا نبقى مخلوقات يشوبُنا الضعف ( الوظيفي ) صمَمَنا الموجد المبدع به و أحالنا لمعادلة تُجبره و تُحيله إلى قوةٍ جبارة ,لا يمكن لتحالفات الشر أن تهزُمه
أعطانا (الصبر) و(الصلاة)
لكن كيف …؟؟
….. كيف يكون الصبر مصدر للقوة والصلاة مصدر للنصر …؟؟
..
“الاستعانة بالصبر…؟؟ “
كبشري محدود الإحاطة و العلم و القوة كنت أنتظر استعانة إلهية تتناسب مع نقصي و ضعفي كمخلوق و مع قوة و عظمة الخالق
أُريد رباً
يُزلزال مدن الاستبداد
ملائكة تسحق الظالمين
فقرٌ يصيب مدن الشر
صاعقة تضرب الطغاة
.
لكن التوجيه الإلهي لمظلوم مقهور مذلول جاء مخالف لتوقعاتي ,قال لي (أستعن بالصبر) !!
كيف يمكن للصبر أن يعينني …؟؟
هو بأحسن حالته جرعة نفسية أتجرعها لكيلا أموت قهراً وكمداً على ما أنا فيه
الجبار عز وجل بقوله (واستعينوا بالصبر ) لا بد أن يكون أحالنا لعظيم يليق بعظمته, الرب لن يعين عبداً استجار به بحلول تجميلية ترقيعية
..
.
مفتاح الإجابة على تساؤلاتنا في قصة سيدنا موسى عليه السلام عندما
قَالَ موسى للرجل الصالح
هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا
وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا
صدق الله العظيم
.
سيدنا موسى عليه السلام ببشريته التي نشاركه بها لم يستطع أن يصبر على
خرق سفينة لمساكين يعملون في البحر … ظلم واضح
قتل غلام دون إثم ولا ذنب ….. جريمة نكراء
إقامة جدار بين اناس لا يستحقون … عمل صالح في صحراء جدباء
..
.
آيات سورة الكهف الخاصة بالرجل الصالح و سيدنا موسى تعيننا على محاولة استيعاب أننا كنا و ما زلنا مخلوقات منقوصة الاحاطة مهما اجتهدنا لن نرى سوى جزء بسيط جداً من الصورة الكاملة , وحده الله عز و جل هو من يعلم الماضي و الحاضر و المستقبل و حده جل و علا من يضع مخطط القضاء و القدر
….
..
كلما عجزت عن فهم ما يجري حولك
كلما نقصت قدراتك
تذكر والدي الغلام الشقي المقتول و المستبدل بولد صالح بار
تذكر أصحاب السفينة الذين أنقذهم عيب في سفينتهم, كما قد ينقذك نقص أو مرض …..من مصيبة أعظم
تذكر أيتام القرية التي كان القدر يعمل بالخفاء لحمايتهم و رفاهيتهم كما عمل و يعمل و سيعمل القدر لك … دون أن تعلم
اصبر كما تعلم موسى أن يصبر
استعانتك بالصبر هي القوة الداخلية التي تحتاجها لإعادة تنظيم خطوط دفاعاتك الداخلية
لن تكون مهزوم بعد اليوم لن تكون محبط مما هو آت لن تكون حزين على ما فات
أنت اليوم بكل النقص الذي تعاني منه بالثمرات و الأبناء و الأموال لست مكشوف الظهر لأنك اسندته للمحيط القوي الرحيم
استعن بالصبر على ما وقع و على مالم يحصل و على ما خسرت
..
.
” استعن بالصلاة “
نعم إن كان الصبر هو الترس الذي تتمترس خلفه تحمي نفسك من سهام النفس و الشيطان فالصلاة ستكون سيفك الذي تنقض به على الهموم و النكبات و الشرور
دليلك لبناء مستقبلٍ مشرق و غدٍ أفضل
الصلاة هي موعدك الخاص تقف به خاشعاً مستسلماً متخلياً عن كل حول لك و قوة على باب خالق كل شيئ تسأله العون و الرشد لا يحجبك عنه سوى نفسك ( خشوعك )
هل رأيت طالب وظيفة يدخل على صاحب عمل مستعلياً مستغنياً بما لديه من خبرات و قوة و أموال ..؟
هكذا نحن عندما نقف على باب المولى قلوبنا مستندة إلى بيوت نملكها, مال نجمعه ,أهل ينصرون , صحة وقوة نتمتع بها
..
الصلاة هي لقاء العبد الفقير المحتاج مع سيده دون وجود حاجز أو حاجب , فبقدر تذللنا على بابه و التضرع له و الخشوع بين يديه سوف يكون العون
..
معادلة الاستعانة لن تتحقق إلا بشرط الخشوع, هي كلمة سر الدخول على المولى سبحانه
أن تتبرئ من كل شيئ
انظروا للرسول صلى الله عليه و سلم كيف كان يفزع للصلاة إذا حزبه أمر … ( يفزع )
معاني فعل ( يفزع ) كلها تدور حول : الخوف , اللجوء , العون , النصر , الغوث
ماذا كانت الاستجابة الربانية
ملائكة تقاتل في ساحات المعارك
طعام و ماء ينبع من بين الأصابع
شفاء للمرضى
انتصارات و تمكين في الأرض
فتوحات و انتصارات
أمان و سلام
..
قد يقول قائل هذا نبي و هذه معجزات خاصة به لكن ماذا عن سيدنا عمر و يا سارية الجبل الجبل , ماذا عن العلاء الحضرمي و الأربعة ألاف جندي و سيرهم على الماء
نعم الله عز وجل قد يغير سنن الكون لصالحك إن شاء
حصول المعجزات الخارقة بمقايس البشر كتحريك الجبال و قصف النيازك ليست كل شيئ
ماذا عن تلك المعجزات الخارقة قد لا ننتبه لها التي تحدث بالخفاء
شفاء من مرض لم تشعر به و لم تعلم بوجوده , رزق مبارك يأتيك من حيث لا تدري بأقل مجهود , ذرية مباركة بارة صالحة ببلد فاسد ,زوجة محبة في جو إعلامي مدمر للعقول و القلوب , ارشاد لحلول و فتوحات تدهش القلوب , تسخير خلق ممن تعرف أولا تعرف ينصرونك
…
الرسول صلى الله عليه و سلم كان يفزع للصلاة عندما يحزبه أمر
بالصلاة كان يعلن
عجزه أمام قدرة و قوة الله جل و علا
فقره أمام الغني المغني الباسط
نقص علمه أمام العليم الخبير المحيط
كان يتجرد من كل قدرة و قوة وعلم و تدبير و يلجأ إلى خالق كل شيئ
هل تعلم أنك عندما تدخل بالصلاة سوف تكون بحضرة القوة المطلقة , العلم الكامل , الإحاطة الشاملة , الخبرة التامة
كيف بك و مالك المُلك يدعوك خمس مرات في اليوم واضعاً بين يدك آية ( إياك نستعين )
إن لم يكن يحبك و يريد أن يعينك …. لمَ دعاك
..
و استعينوا بالصبر و الصلاة و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين
و كذلك نحن أيها الأحبة أمامنا آية فيها الخير كاملاً و النصر تاماً و التمكين شاملاً
مفتاحها الخشوع و الرضوخ و الاستسلام
فيها القوة الداخلية الصبر و القوة الخارجية الصلاة
هما الجناحان الذان نحلق بهما في سماء الحرب الأبدية ما بين خير موصول بقوة الرب و شر مزؤوم مأزوم
اللهم ارزقنا
صبراً و صلاةً تورث نصراً