بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على أله و صحبه
..
“ الفعالية “
.
عندما ننظر إلى العالم حولنا نجد الإختلاف الكبير في كل المستويات
مابين دولٍ متخلفة محطمة جائعةَ وبين أممٍ تنعم بالسلام و ترفه بالخيرات
يتبادر إلى ذهنك سؤال
ما الفرق ما بين الإنسان هنا والإنسان هناك ..؟؟
لماذا فشِل هنا و نجح هناك ….؟؟
هل للتفوق صيغة سرية, أم أن الأمر متاح للجميع …؟
يقيناً الأمر ليس سراً قومياً , أو معادلة كيمائية أو طلاسم سحرية
النجاح : هو إمتلاك الأدوات الصحيحة و إدارتها بدراية و استخراج أقصى مكنوناتها , من خلال إمتلاك المعرفة و تراكم الخبرات و تطويع العلم للوصول إلى أعلى نقطة رأسية في هرم التفوق الإنساني و محاولة البقاء هناك أطول فترة ممكنة
يختلف الناس في كتابة نسب صيغة التقدم و التفوق
منهم من يولي الأهمية للنظام و تنظيم الأوقات
ومنهم من يجعل للأفكار الإبداعية الخلاقة النسبة الأكبر فيه
و بعضهم الآخر يجعل في العلاقات العامة و الخاصة أو التحصيل العلمي الأكاديمي , أو لتراكم الثروات الحظ الأعظم في الإنطلاق
ليس هناك إختلاف على أهمية كل ما ذُكر سابقاً
لكن مهما غيرت في النسب و مهما أوليت بعض تلك الأركان الأهمية القصوى في صيغتك الخاصة, ستبقى تلك المعادلة قاصرة عن أن توصلك إلى النجاح الكامل و التفوق المنشود
الكثير من أصحاب الأفكار الإبداعية الخارقة أو العلوم النادرة, أو ممن يمتلكون الثروات المادية الهائلة , يرزحون تحت ضغط الظروف الصعبة, و قد ينتقلون من فشل إلى فشل و من جمود إلى جمود
يبددون طاقات هائلة سواء أكانت أفكاراً أو حلولاً أو أموالاً و قدرات
سر الأسرار
” الفعّالية “
ما أهمية أن تمتلك العلم لكنك لا تمتلك القدرة على نقله لأرض الواقع على شكل إختراع أو منتج أو صيغة قابل للإستفادة منها , ما أهمية أن تمتلك المال والأفكار ثم تضعها خبيئة في خزينة و تغلق عليها الأقفال
ألم تلاحظ معي أن الكثير من الكتب و المنتجات و الإعتقادات من التفاهة بمكان لدفع الناس مهما كان مستوى وعيهم إلى الضحك منها
لكنك تتفاجئ أنها قد انتشرت كالنيران في الهشيم والملايين تتصارع في سبيل أن تمتلكها أو أن تكون جزء منها
هنا يأتي
دور الفعالية القادرة على حمل أي شيئ مهما كان هذا الشيئ , مفيداً أم ضاراً , أم حتى تافهاً , مؤمناً به أم كافراً, لترفعه عالياً و تقدمه للآخرين, و تدفعهم لكي يكون جزء من حياتهم
هذه القدرات هي الرافعة التي تدفع أي شيئ مهما يكن إلى المقدمة
..
.
” الفعّال عمر بن الخطاب “
..
اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين , أبي الحكم بن هشام و عمر بن الخطاب , كلا الشخصيتين كانتا تمتلكان الفعالية بأقصى درجاتها
ليس هناك حدود لفعّاليتهما
إنهما بمثابة الطاقة الامحدودة التي إما أن تستخدم بالخير إذا ما ضُبطت بالإيمان و إما أن تستخدم بالشر إذا ما تحكم بها الطُغيان
هل يعني مما سبق ….. أننا يجب أن نكون جميعاً بفعّالية عمر و قُدراته ……؟؟
..
قدراته …. ؟؟ الجواب طبعاً لا
الناس تختلف فيها , هذا جزء من التمايز الإيجابي السنني , لخلق نسيج متماسك مترابط يقوم بخدمة بعضه البعض
(ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليّتخذ بعضهم بعضاً سُخْرِيًّا)
أما فعّاليته فالجواب : فنعم …. نحن جميعاً مخلوقات تمتلك الفعّالية, و الأمر لا يتطلب منا سوى دفع الركام و نفض الغبار عنها , و إعادة اكتشاف تلك الطاقات الجبارة التي جبلت داخلنا, و تفعيلها لأقصى حد لإستخراج أعظم و أجود مالدينا
التفاوت في مستوى هذه الطاقة و تنوعها , هو جزء من المخطط العام الذي نسير عليه و الذي سماه الله عز وجل .. القدر
هو الجزء الإلهي من المعادلة , أما الجزء البشري فهو طريقة استجابتنا له و تفاعلنا معه
الإمتحان الذي نخوضه في حياتنا الدنيا هو استخراج هذه القدرات و صقلها و استغلالها بالطريقة الصحيحة و توجييها ضمن أوامر الله عز و جل
( كلٌ لما يسر له )
الإستفادة منها و إفادة من حولك في حفظ التوازن الكوني الذي خلقه رب العزة والذي إستخلفك فيه لكي تحفظه و تبقيه قادراً على إظهار رسالة الإيمان نقية و واضحة لخلقه
عليك فقط أن تثق بنفسك و بمن جبلك , و تتعرف على الخريطة التي رسمت لرحلتك , و موقعك من الحياة
و كم هي بحاجة لك أنت
نعم …….. الحياة و ما فيها بحاجة لك …… أنت
حتى الكون بحاجة لفعّاليتك , و لو كانت على مستوى كتابة حرف أو قول كلمة
..
أنت قطعة في آلة كونية جبارة …….. وضعت من قبل الصانع لكي تؤدي دوراً في دورانها و عملها , فلو تباطئت أو توقفت عن القيام بمهمتك التي صنعت من أجلها سوف يختل عمل الكون كله ……….. نعم أنت يا من تعتبر نفسك لا شيئ , يامن لا تفتخر بأنك الجزء الأهم فيها , يا من تستخف بمكانك
الكون كله بانتظارك
عليك أن تزيل العقبات التي يمكن أن تقف بطريقك و تتمسك بوسائل الدفاع التي منحت لك ضد أعدائك الذين عرفهم الله لك
و لا تيأس و لا تحزن على شيئ تعتقد أنه ينقصك
بل تؤمن بحكمة و علم من أعطاك أو منعك , و بأن ما هو بانتظارك خير مما فاتك
لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ
…
..
.
” الثمرة صلاح الدين “
.
من منا لا يعرفه……؟؟ ذلك العملاق و القامة العالية و الحنكة المتقدة صاحب الفعالية القيادية و العسكرية و الإدارية
محرر القدس و قاهر الصليبين و رافع الراية , سلطان المشرق و المغرب ………….. أستطيع أن أكتب صفحات طويلة في مناقب هذا الرجل
و هنا بالضبط تأتي طامة الطامات
إننا ننظر إلى الثمرة و تعمى بصيرتها عن الشجرة
عن غصونها و أوراقها و ثمارها و أزهارها , عن التربة التي نشأت فيها و جذورها و الماء الذي سقيت منه و العناية و الجهد و التعب و الوقت التي احتاجته
ننظر لها على أنها الثمرة الوحيدة الموجودة على الشجرة , و نتناسى مئات الثمرات التي أثمرتها أيضا بأسماء مجهولة لا نعرفها
سوف أعيد ترتيب قصة صلاح الدين الأيوبي…… تبعاً لمنظورنا القاصر
..
استيقظ صلاح الدين في يوم من الأيام صباحاً و نظر في الأفق باتجاه الغرب نحو البحر الذي اتسخ باللونين الأحمر و الأبيض لون الظلم و القتل , فقرر أن يضع حداً لهذه المأساة , فركب خيله و حمل سلاحه و انطلق بإتجاه القدس
هناك على حدود تلك المدينة المكلومة شن حرباً ضروساً ضد الآلاف من الجنود
لوحده حاملاً سيفه و رمحه مقاتلاً ببسالة
إنقشع غبار تلك المعركة عن نصر مؤزر لصلاح الدين على جيش عرمر مسربل بالحديد , حرر القدس و أعاد الحقوق لأصاحبها و طرد الغرباء …..
انتهى
..
سوف تعترض على القصة و تقول لا ….!!!! أنت مخطئ هو لم يذهب لوحده , بل كان يقود الكثير من الجند…… نعم بهذا التعديل نكون قد أصلحنا القصة لكي تكون أكثر واقعية , أقرب لعقلنا الطفولي الذي أعتاد قصص ألف ليلة و ليلة و السندباد و كليلة و دمنة
حساء سريع التحضير
أقرب لما فهمناه عن التاريخ
أقرب لقصور نظرنا عما حولنا من سنن الله
” الحقيقة “
لقد احتاجت ثمرة صلاح الدين الأيوبي لكي تتبرعم و تثمر مئات الأعوام …. نعم مئات الأعوام …. آلاف الأيام و عشرات الآلاف من الساعات الشاقة و المؤلمة و المجهدة ……………… لكي يخرج هذا الرجل
…
..
.
هل يعني أننا يجب أن ننتظر أربعئة عام لكي نحقق النصر …؟؟؟
ليس فقط الزمن طال أم قصر الذي هو الذي يجب أن ننتظره ……. لكي تظهر ثمارنا
علينا أن ننظر في ما تحتاجه من عشرات الأغصان , و مئات الفروع و آلاف الأوراق و ملايين الملايين من الخلايا الضوئية و السيلوزية
ماذا عن الجذور التي تمتد عميقاً في الأرض , هل شاهدت شجرة مثمرة دون جذور….؟؟
لوأن تلك الجزيئات الصغيرة منها و الكبيرة لم تعمل عملها بفعّاليتها القصوى , لما أثمرت ذلك القائد
نحن عندما ننظر إلى صلاح الدين و أمثاله من الأبطال العظام , ننسى تلك الرافعة العظيمة التي رفعتهم , ننسى ذلك البناء المهيب الذي اعتلوه , ننسى كل لبنة و كل مخطط و منظم و مشرف و عامل
..
.
صلاح الدين هو ثمرة لجيش من العمال الصالحين الذين قاموا بأعمال صالحة ضمن جهد استمر عشرات من السنين بجهد و تعب و صبر
لو سألت نفسي و إياك الأن ….. سمي لي عشرة من القادة الذين أداروا المعارك مع صلاح الدين ,,, سوف يقف على رأسك الطير كما وقف على رأسي
إن لم يستطع التاريخ أن يسمي لنا عشرة أسماء عملوا تحت قيادة صلاح الدين مشاركين بتحقيق النصر العظيم , فكيف لنا أن نعرف أسماء قواد الفرق و الكتائب و السرايا , آلاف من الجنود المشاة , من الفرسان من رماة الأسهم
ملايين من الآباء و الأمهات و الزوجات لا يقل ثوابهم عن ثواب صلاح الدين و قواده و جنوده و هم يدفعون أبنائهم لساحات الدفاع عن الحياة العادلة الأمنة للجميع , و هم يعرفون أنهم قد لن يرونهم أبداً
ماذا عن المسؤولين عن إطعام عشرات الآلاف من الجنود , ماذا عن الخياطين الذين خاطوا ملابسهم , ماذا عن صناع السيوف و الرماح و التروس , ماذا عن المتبرعين بالأموال و دافعي و جباة الزكاة التي عافت نفسهم إخفاء حق الفقراء أو سرقته
يعلوا كل هؤلاء رجال علم عاملون عالمون , فقِهوا و عقِلوا فربوا و وجهوا , فأرشدوا و أصلحوا العامة و الخاصة
إن لم نعرف أسماء عشرة قواد , فكيف سوف نعرف أسماء كل هؤلاء ….. لا يضيرهم ولا يضيرنا أننا لا نعرفهم …… فقد رأينا ثمرة عملهم الذي أمتدت أمامنا لمئات السنين
كل هؤلاء كانوا فعّالين في أعمالهم التي كلفوا بها ,مهما كانت بسيطة أم معقدة , مهما كان موقعهم من بناء الأمة سواء أكانوا أركان أم جدران فكلهم جزء فعّال من البنيان
نعم ليس لدينا فعّال واحد أسمه صلاح الدين …….. كل من صلح في ذلك البناء إسمه صلاح الدين , و لا تستغرب رحمك الله إن شهدت يوم القيامة رجالاً أو نساءً من أولائك الصالحين قد سبقوا صلاحنا الأيوبي في مقام الأخرة
إنه رب القلوب و النوايا رب درهم سبق ألف درهم و رب جندي سبق ألف قائد
و أنت ….. أيها العاقل لا تقل أهمية في صناعة المستقبل ….. في تغيير التاريخ
عن أي عالم فقيه أو قائد ملهم أو مخترع عبقري
فقط قم بعملك الذي استُخلِفت فيه على أحسن وجه ممكن , و اجعله عنواناً للإحسان , يتّبعه الأخرون
..
.
كلما عظمت أركان البناء إحتاج وقتاً أطول و جهداً أكبر
لا تنتظر أن ترى نتيجة فعّاليتك الأن …….. فقد لا تكون مرئيةً لك … اليوم …… قد تعتقد أنها لا شيئ
لكنها في نظم آلة الكون …. كل شيئ
و عند الله قد تكون جبال شاهقة من الخير
الثمرة الصغيرة التي ننتظرها نحن البشر من المؤكد أنها تختلف عن الشجرة و عن البستان و عن الكون الذي يرعاهم الله
نحن ببشريتنا المحدودة نرى جزء بسيط من الصورة , فقط الله هو من يحيط بها كاملةً
…
.
” النتيجة “
هي أمر رباني بحت يدخل ضمن الإختصاص الإلهي
لا تيأس إن لم ترى النتيجة …… فليس لك ولي و لنا من الأمر شيئ إنه هو المحيط العليم
فقد أمر الله عز وجل سيدنا إبراهيم عليه السلام بزرع ابنه اسماعيل في صحراء قاحلة ….. لكي تثمر بعد مئات الأعوام ثمرة
إسمها محمد صلى الله عليه و سلم
لم يرى إبراهيم , و لا هاجر , و لا إبنهما اسماعيل عليهم السلام , نتيجة طاعتهم و تسليمهم في الدنيا , لكن ما رأيكم أنتم يا من رأيتم و عشتم خيرات و بركات( فعل فعّال ) حدث قبل مئات و ربما آلاف الأعوام
النتيجة التي تخصك و التي يجب أن تسأل عنها
هي
هناك ……………. تنتظرك لكي تستظل بأغصانها التي أنماها الله لك و رعاها حتى غدت جنات من النعيم المقيم , سوف تُسعد
و
أنت ترى أجر عملك يدفع اليك …….. أضعافاً مضاعفة
..
.
نعيمٌ مقيم و خلودٌ للذين : # أمنوا و عملوا الصالحات