حاول أن تفتح مخيلتك لكل تلك الأشياء المهمة التي يمكن أن تستعملها بها …؟
احتفظ بتلك الأفكار في ذاكرتك قدر الإمكان
……………………………
الآن تخيل أنك تمسك نفس البطاقة السابقة
لكنها تحمل …. صورتك
اسمك كتب في أعلاها … حامل هذه البطاقة مواطن أميركي / أوربي
أغلق عينيك
فكر ……… ما الذي تستطيع أن تفعله بهذه الجنسية
الجميع يعلم أنه لا حدود للأحلام في بلاد الحريات المطلقة
لكن رغم ذلك حاول ألا تُشغل كامل مساحة الذاكرة في عقلك وأنت تعدد الاحتمالات الكثيرة ….. أبقي جزء بسيط منها للقيام بالتجربة الثالثة
والأخيرة
………………………………
أريدك الآن …. أن تعيد نفس التجربة
أغلق عينيك
مخيلتك سوف تجعلك تُمسك تلك القطعة البلاستيكية التي فيها صورتك
هذه المرة مكتوب عليها مواطن سوري.. يمني.. عراقي.. فلسطيني.. اختر ما شئت
أعد تجربة التخيل، لكن هذه المرة ليس أن تحلم بالمستقبل الوردي , بل أن تعيش تلك المآسي ، بكل أبعادها وأحزانها الحقيقية
حاول ألا تصاب بالهذيان، وألا تمسح الأهوال ورائحة الموت وأصوات القصف وبكاء الأطفال ….. ذاكرتك كلها
بما فيها نتاج التجربتين السابقتين
..
.
” افتح عينيك على الحقيقة “
..
من المؤكد أن استخدامات قطعة بلاستيك بيضاء سوف يكون محدوداً مقارنةً، بالاحتمالات اللانهائية التي يمكن أن تتحصل عليها في حال حملت البطاقة صورتك وكتب عليها أميركي أو أوربي
هذه الاحتمالات قد تُعدم بالكامل لو بقيت تحمل نفس الكرت ونفس الصورة لكن تغيرت الكلمة إلى لاجئ صومالي أو مهاجر مكسيكي، أو ناج روهينغي ……… بكل ما للتسميات من تبعات
الثابت الوحيد هو القطعة البلاستيكية ……. المتغير هو أنت … هو كرامتك، حقوقك ,حريتك، بشريتك
تلك البطاقة نقلتك من شيء بسيط يكاد أن يكون ليس له قيمة إلى مصافي تحقيق الأحلام ومن ثم أنزلتك إلى قاع الواقع المظلم البائس
..
.
هل من الممكن أن تكون تلك القطعة البلاستيكية العظيمة هي ما يميز البشر …؟؟
ما بين حر وعبد..؟
ما بين غني وفقير ..؟؟
ما بين حي وميت…؟؟؟
..
ما هي جنسيتك ومن أي دولة أنت …؟؟
تبعاً لأسم الدولة التي تحمل جنسيتها سوف تتحدد
قيمتك كإنسان
شكل الحماية التي تحفظ وجودك
سلامة ممتلكاتك وأموالك
مستوى الحرية التي يمنحك إياها دستورها
..
ضمن هذا الضابط يحاول مئات الملايين من البشر ترك بلدانهم البائسة في الجنوب والهجرة الى أرض يكون فيها هذا المعيار عالٍ
متجاهلين أن الفقر و الجهل و الاستبداد الذي يفرون منه ……. مصدره الشمال
..
.
إنها المسرحية الساخرة التي نعيش بين ثنايا فصولها
أبطالها يؤدون دور ملائكة أطهار
إذا ما أسدلت الستارة عادوا …… شياطين
تسعة و تسعون بالمائة من ممثليها كومبارس يؤدون الدور الذي كتب لهم ……. عبيد
..
هذا هو حال البشرية على مر العصور
لكن ماذا عنك … ماذا اخترت ….. ؟
سيداً رغبت أن تكون ….؟
أم أنت عبداً مولود ….. ؟
..
أياً كان اختيارك …. فهو خاطئ ….. سوف تدفع ثمنه …… إما قاتلاً أو مقتولاً
..
لقد قيل لك أنه النص المسرحي الوحيد … وعليك أن تختار
معلناً وصول الطرد البريدي الذي انتظرته أشهراً طويلة على أحر من الجمر
لم أطِق الإنتظار ….. هرعت مسرعاً إلى مكتب الإستلام
إنه الإصدار الأحدث لشركة بي سي ون , أعظم شركة حاسب آلي على وجه الأرض…. هكذا ينظر إليها العارفين بالتقنية الحديثة و علومها
..
أزلت اللاصق
إنها لحظة تاريخية في حياتي ……
تمنيت لو أشارك كل من في العالم
لحظات إخراج كنزي الذي لطالما تمنيت الحصول عليه
لا يمكن تصديق الإحتمالات اللانهائية التي يمكن القيام بها مع حاسب من الجيل السابع بمعالج أر أر سي بلس فائق السرعة
القادر على فعل المستحيلات
إنه درة الذكاء الإصطناعي
أخيراً … ها هو… هنا أمامي
..
أجريت كل التركيبات و التوصيلات
وضعت القابس بالكهرباء
ضغطت زر التشغيل و أنا بشوق لذلك اللقاء الأول وجهاً لوجه مع عقل غير بشري…… لكنه من صنعه
يالها من معادلة غريبة
..
إني متوتر
كيف سيكون التعارف….؟
هل أختار له صيغة أنثوية أم ذكرية …؟؟
كيف أتعايش معه لحظات و دقائق عمري ……؟؟؟؟
هل سيسيطر عليّ و يتحكم بقرراتي….؟؟؟
كل تلك الأسئلة تسارعت في ذهني , كومضات كهربائية في أجزاء من الثانية
أردت أن تَصِلُني كل تلك الأجوبة بغمضة عين واحدة
لكن … ما حدث خرق كل توقعاتي
..
لم يقلع الجهاز
نعم
ليس هناك صوت أو ضوء
لا شيئ أبداً
..
تجمدت عيوني و أطرافي …………… حتى عقلي لم يستوعب تلك الدقيقة المصيرية
أفقت من صدمتي
أعدت فحص كل تلك التوصيلات , تأكدت من كهرباء البيت …. لاشيئ
أخرجت كتيب التشغيل …. قرأته كل صفحاته , كل كلماته , كل أحرفه ….
لا شيئ
..
أردت أن أبكي أن أصرخ
لما أنا…. لما من بين آلاف الأجهزة …..جهازي لا يعمل
أعدت فكه و تركيبه مرات و مرات , قرأت كتيب التشغيل ….. حتى حفظت كلماته و مفرداته عن ظهر قلب
لكن …. لا شيئ ……. إنه لا يعمل
..
لم يبقى أمامي سوى الإتصال بمركز الخدمات التابع للشركة , لكي يساعدونني باكتشاف المشكلة
هل هو عطل مصنع …… هل هي مؤامرة …. أم مجرد حظ عاثر …………… هكذا بدأت أهدس
..
بدا الصوت في الطرف الآخر من المكالمة قوياً واثقاً من نفسه
طمئنني أن كل شيئ سيكون على ما يرام و ليس هناك داعي للقلق
من المؤكد أننا سنجد الحل
شرح لي أن قسم الجودة في الشركة يعتبر الأكثر تفرداً في العالم , و كيف أن الجهاز يمر على ثمانية مراحل فحص قبل أن يشحن للعميل
بدأنا من الصفر , أعدنا تفكيك الجهاز و كل التوصيلات
بدا مكتبي كطاولة مخططات عمليات حربية
خلال دقائق كان جاهزاً , تبعاً لتعليمات الخبير ….
أخيراً انتهينا و بدا كل شيئ على ما يرام .. قالي لي اضغط زر التشغيل و سيعمل لا تقلق ..؟؟
ترددت لثواني … لم أرد أن أُحبط , لا أريد أن أفقد إيماني بتلك الشركة ، بتفوقها التكنولوجي….. سوف تكون فضيحة
شعرت بالغضب لمجرد ورود ذلك الإحتمال في عقلي
…
..
.
قرأ أفكاري ……………. عرف ترددي
أعاد طلبه مرة أخرة بنبرة صوت هادئة و رزينة …., إضغط الزر ولا تقلق
و كذلك فعلت
..
إمتلأت أوداجي بالدماء و أصبحت أسمع دقات قلبي تتسارع في أذنيّ
لا بد أن ضغط دمي قد وصل إلى مرحلة الخطر ….؟؟؟
بدأت أشتم و ألعن …………. إنه لا يعمل
إختلفت نبرة صوت ذلك الواثق و تلعثم , بدأ بالإعتذار , مكرراَ كلمة مستحيل مئة مرة ومرة , أخذت أصوات رنين هواتف في الطرف الأخر تعلوا و تمتمات و همسات , تم وصلي برئيس الخبراء , بدأت أعرفه على شخصي و على كل تلك المقالات العلمية و الشهادات المعلقة على حائطي
لم يظهر أي تفاعل مع ما أقول
سارع بإعلان إصابته بالذهول , طلب مني إعادة الفك و التركيب
قمت بكل أمر أراده مني , لكني كنت قد أصبحت متشائماً ………….كنت في قرارة نفسي أعلم
أنه لن ………….. يعمل
..
لكنه لم يهزم …………… لقد إزدادت ثقته بنفسه , كلماته و جمله كانت تشير إلى أنه يعرف و يعلم كل تفصيل في ذلك الجهاز
صمت ملياً…….. ثم قالها
لم أصدق أذُني …………..نعم لقد تجرأ و قالها
هل من الممكن أن تتأكد من قابس الكهرباء ….؟؟ قلت له مستهزئاً , هل تظن أنك تتحدث مع جاهل أم طفل أم مراهق
إعتذر و كرر الطلب بصرامة و إصرار أكبر
..
لقد أهانني …!!
نعم لقد طعن بكل خبراتي و معلوماتي و دراساتي و …………… أيضاُ بكبريائي …….. لكنه أعاد طلبه بثبات
سيدي ….. لقد قضينا ساعات و راجعت كل المخططات
لم يبقى سوى القابس , إنه بروتوكول الشركة ….يجب أن نمر على كل الإحتمالات , لكي نغلق الملف و نرسل لك جهازاً جديداً
قلت له على مضض…. نعم سوف أفعل
…
بغضبٍب تلمست القابس …… لقد كان هناك مثبتاً في الحائط … كل شيئ على ما يرام …. لكن مهلاً هناك قابس آخر ..؟؟؟
مالذي يفعله هاهنا …… ما هذا الشيئ….؟؟؟
تتبعته ………… حتى أوصلني إلى خجلي الأكبر
إنه جهاز إعداد القهوة
..
نزعته
وضعت القابس الصحيح
ضغطت زر التشغيل
..
هدر الحاسب كوحش جبار , ولمعت الشاشات ….. معلنةً أنه حي يعمل
أمسكت بالهاتف متردداً …سمعته يقول : مبارك …..على ما يبدوا أن كل شيئ على مايرام الأن سيدي …. أرى من خلال أجهزة الشركة أن جهازك موصول بالشبكة ، و على أتم الإستعداد لتنفيذ الأوامر و القيام بالمهام
هل هناك أي إستفسار …. أو سؤال ….؟
كانت كلماته و نبرة صوته رحيمةً بي
أجبته بخجل …. شكراً لك
نعم إنه يعمل
…
..
.
هل أعجبتك القصة …. ؟؟؟؟
ربما نعم
لكنها لم تعجبني … هل تريد أن تعرف لماذا …؟؟
إن ما ينطبق على ذلك الجهاز ينطبق علينا نحن …… أو ما يطلق علينا إصطلاحاً المؤمنين
” نحن لا نعمل“
على مر سنوات طوال أذهب مثلي مثل مئات الملايين إلى المساجد كل جمعة , مستمعاً للذكر الحكيم, لكل تلك الخطب والبيانات و المعلومات
كان نظري يجوب فيمن حولي من الحاضرين , أتأمل وجوههم , أجسامهم , ملابسهم , لغة أجسادهم , حتى تسريحات شعرهم و تعبيرات وجوههم , نفس السؤال يعاد و يتكرر بشكل أسبوعي
كيف يمكن لمئات الألاف من خطب الجمعة الرنانة حول العالم , و دروس الوعظ و الإرشاد و عشرات الملايين من الحاضرين و النتيجة تكون
…. صفر
نعم صفر ..؟؟
كيف ننتمي للمخلوقات الأكثر تميزاً , تجتمع في أجسادنا و أنفسنا و أرواحنا أحدث و أرقى درجات التكنولوجيا و العلم . صنعنا بيد أعظم خبير عليم
كيف تقول شفاهنا أننا آمنا بأعظم كتاب إرشادات , يحتوي أعلى درجات الحكمة و أسمى خطوات السعادة , وصل إلينا بيد أصدق الرسل و أكثرهم همة و رشاداُ
لكننا بالمحصلة ………………لا نعمل ..؟؟
هل هو عطل مصنع ….؟
أم خطأ في كتيب الإرشادات …؟؟؟
أم عطل في القابس ………….. فينا نحن … في إيماننا في صلاحنا و إصلاحنا ….؟؟؟
” الفعّالية الإيمانية“
هل أنا مؤمن …..؟؟ أريدك أن تسأل نفسك هذا السؤال كما سألته لنفسي
من المؤكد أنك سوف تجاوب بدون تفكير…………… نعم أنا مؤمن
لكن أنتظر واصبر
بعد التمحيص ربما تختلف إجابتك بعض الشيئ
بداية أريد أن أوكد لكن أني لا أريد أن أفتح جبهة حرب معك …. لكني سأشاركك تجربتي في تقييم إيماني
ماهو الإيمان ..؟
الإيمان لغة : هو التصديق
الإيمان إصطلاحاً : هو قول باللسان و اعتقاد بالقلب و عمل بالجوارح يزيد و ينقص
أغلبنا يعرف الشق الأول من الإيمان الإصطلاحي المتعلق بالقول اللساني
أما الإعتقاد القلبي فهو وراثي تقليدي بالمجمل , إلاّ لقلة قليلة ممن درس و علم و فقه فرسخ , و انتقل من مرحلة الوراثة إلى مرحلة القبول و من ثم التبني و مابينهما مراحل من الشك و الإستفسار و الظن
تنتهي بأصحاب النفوس الطيبة لإعتقادٍ يتجذر في القلب , محمي بسلام داخلي يرتكز على علم و فهم و أدلة و براهين و تثبيت من الله
, أما النفوس الخبيثة فينتهي الشك لديها بمراحل من الضياع و التردد ما بين تكذيب و تصديق , و لا مبالاة , مما يترك أثره على الشق الأخير من الإيمان الإصطلاحي ألا و هو العمل بالجوارح
نجد أصحاب الإيمان الفعّال , ينكبون في سباق يومي محموم لجمع الحسنات و السعي لمرضاة الله
في بناء و تعمير الحياة بالحق و الخير
فهم على يقين بأن الوقت قصير و لا يعرفون لنهايته موعد , فتجدهم يسارعون في جمع أكبر قدر من الصالحات و إيداعها في مصرف الآخرة
بينما نجد أصحاب الشك يترددون في صراع الجوارح ما بين الإنتهاء عن المنهيات والقيام بالمأمورات
..
و ما بين صاحب الإيمان الراسخ ….. و …… المتردد المهزوز
يتحقق الشطر الأخير من تعريف الإيمان الإصطلاحي ألا و هو
” الدرجات “
أعلاها و أكملها الإيمان الصديقي البكري : هو إيمان قليل نادر جداً جداً , لكنه غير مستحيل بل هو ممكن و حاصل ,جوهره التصديق اليقيني المطلق , صفته تسليم القلب
أقواها الإيمان الإستفساري العمري , هو إيمان أصحاب العزم و الفعّالية , جوهره التصديق العقلي القلبي , صفته انصهار القول بالفعل
أعمها و أكثرها إنتشاراً إيماننا التقليدي الوراثي ,جوهره حيرة القلب بين طول أمل بالدنيا و تمني للنجاة بالآخرة , صفته التقلب بين اليقين و الشك
الأن يأتي دوري و دورك لكي نسأل أنفسنا في أي درجة يقع إيماننا
البعض منا سوف يتهرب من الإجابة
البعض … سوف لن يهتم بالإجابة
القلة فقط سوف تقف و تمتحن إيمانها , و تضع لنفسها درجة , هذه القلة القليلة هي الباحثة عن الحقيقة و التي وضعت المفتاح في باب إجابة الرسول صلى الله عليه و سلم لمن سأل : و من قلة نحن يومئذ ..؟؟؟؟ بل أنتم كثير …. لكنكم غثاء كغثاء السيل
نحن كثير….. لكننا لا نعمل , لم يصل إيماننا لدرجة الفعّالية
عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها , فقال قائل : و من قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير و لكنكم غثاء كغثاء السيل و لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم و ليقذفن في قلوبكم الوهن , فقال قائل : يا رسول الله و ما الوهن ؟ قال حب الدنيا و كراهية الموت
سنن أبي داوود , مسند أحمد
من يحب الدنيا و يكره الموت …؟؟ أليس من اضمحل إيمانه و وقع في فخ الفهم الخاطئ لسبب وجوده في هذه الدنيا , فكره الخروج من القليل إلى الكثير, و من النعمة إلى النعيم , و من الفناء إلى الخلود
من يكره الدنيا و يحب الموت …؟؟ إلا من ضل إيمانه و لم يرشد , فظن أنها نجسة قبيحة , ليس فيها إلا الضلال و الإضلال , تجاهل ما فيها من نعيم الإيجاد و هبة الحياة , و إبداع و جمال الخلق , لم يعي محبة الله لعباده و تميزيه لآدم و أبنائه , لم يفهم مهمته , لم يعي وظيفته
نحن نتقلب مابين جاهل و غافل و ……. كلاهما غير راشد
هذا التقلب و الضعف الإيماني هو ما يفقدنا المحرك الرئيسي و القوة الخارقة التي ينتجها الإيمان
الإيمان الحق الراشد القوي يمنحك فعّالية مستمدة ممن تؤمن به , تواجه بها الصعاب و تذلل بها العقبات و تحقق بها المعجزات
إنها # الفعالية الأيمانية , كلما قوي إيمانك إزدات فعّاليتك و العكس صحيح
…
..
.
ننظر حولنا نجد أن خريطة النيران قد اشتعلت في كل زاوية من زوايا وجودنا خراب , دمار , حروب , فقر, ظلم ,استبداد , جهل , ضعف ,مرض , خنوع
نتهم الآخرين أنهم سبب ما نحن فيه
لكن في المقابل, إنكار أي دور لنا في ذلك السقوط لا يستقيم
فنظرة خاطفة إلى كثير ممن حولنا , يؤكد أن الكثير منهم قد تعرض لأضعاف ما تعرضنا له بالسابق و ما نتعرض له في الحاضر, من مؤامرات و مكائد و أحلاف
لكن رغم ذلك هم مختلفون عنا , و يسبقوننا في سلم النجاح , سواء على صعيد الدول و المجتمعات و الشركات و حتى على مستوى الأسر و الأفراد
و السر في أنهم
“ عملوا الصالحات “
“الفعّالية الإصلاحية ”
في جملة ما نعاني من مصائب و خرائب, فقدان القدرة على فهم لغتنا التي نتكلمها, و حصرها في أفعال و مفردات الحياة اليومية المعاصرة
لو استفسرت الأن منك ما معنى الصالحات…؟؟؟
في أغلب الظن أن أول جواب سوف يتبادر إلى ذهنك هو العبادات بمفهومها الإصطلاحي الضيق , و لو حاولت أن تبذل جهداً أكبر سوف تذكر الأمانة و مساعدة الأخرين , رفع الأذى , دفع الظلم , سوف تحاول أن تبحث عن كل تلك الأفعال الإيجابية التي وردت يوماً ما في قاموسك المدرسي و المنزلي و تضعها في خانة الصالحات …… ثم ماذا ؟؟؟
هل سوف نتوقف هنا …..؟؟؟؟
..
الحقيقة مختلفة و أوسع
هل سمعت في الأخبار عن شيئ إسمه الإصلاح الإداري أو الإصلاح المالي , الإصلاح السياسي , الإصلاح الإجتماعي, الإصلاح الأخلاقي , حتى الإصلاح الأسري
من المؤكد أن الجواب هو … نعم
سوف تسألني ما هو الرابط بين عملوا الصالحات القرأنية و بين العمل الإداري و المالي و السياسي و الإجتماعي و الأخلاقي و العائلي ..؟؟
السؤال الحقيقي أليس جوهر الدين هو الإصلاح ..؟؟؟ , لم نهمش الإصلاح في حياتنا و نضعه في إطار التزين و التجمل و اللامبالاة
بينما هو أساس الدين وسبب وجودنا و استخالفنا
أليس هو الرقم الأهم في معادلة الإستمرار و التقدم التي يتمسك بها الناجحون ..؟؟
..
تعالوا ننظر حولنا من دول ونرى سبب نجاحهم سوف نجد أن الإصلاح هو مركز النجاح , هو كلمة السر في كل ما توصولوا إليه
أصلحوا التعليم
أصلحوا السياسة
أصلحوا التجارة و الإقتصاد
أصلحوا القضاء و القانون
أصلحوا التمريض و الإستشفاء
أصلحوا البيئة
نعترف أن إصلاحهم هو نسبي و يشوبه الكثير من النقائص
و أنهم قننوا استخدام الإصلاح حسب مصالحهم و احتياجاتهم , يطبقونه ضمن حدودهم و يحاربونه داخل حدود الآخرين
امتلاكهم لمفاتيح العلم , و سنن سير الكون , أسكرهم حتى وصلوا إلى مرحلة من القوة اعتقدوا أنهم قادرين على تنصيب أنفسهم آله فوق الأرض
هذه النشوة بالتفوق أضلت بصيرتهم و جعلتهم يعتقدون أن الإصلاح مادي بحت ليس للروح نصيب فيه
هنا يأتي دور التوازن الذي تخلقه
المعادلة الذهبية الإلهية
الذين أمنوا و عملوا الصالحات
عندما يجتمع هذين العنصرين في معادلة ( عقلية انتاجية) و( قلبية روحانية ) واحدة سوف ينتج لدينا العنصر الأهم في الوجود
العنصر الذي أسجد الله له الملائكة و خلقت له الجنة
إنه # عبد الله
الذي أنار الإيمان ظاهره و باطنه فأرشده للقيام بمهامه التي كلف بها , حق قيام
من إصلاح نفس و قلب و جوارح فانتظمت أركانه , و رشدت أقواله و أفعاله
انعكس نور إيمانه على من حوله
إصلاحاً راشداً
فعرف أصل الشيئ و ماهيته و لِمَ وجِد أساساً , و تدبر في استعماله , دون اسراف ولا تبذير
و علم أن أوامر المولى و نواهيه إنما وضعها لكي لا يقع الفساد بدايةً , هي قواعد استباقية
ضوابط حمائية من الوقوع في ظلم النفس و الآخر
أياً كان هذا الآخر
جماداً أم روحاً
هنا يظهر الفرق ما بين معادلة البشر و رب البشر
ما بين خالق و مخلوق
البشر يريدونها عبودية و استكبار
و الله يريدها حرية و نماء
..
.
الله عز وجل وضع بين يديك معادلة النجاح الأعظم
التي تجمع فيها ما بين خيري الدنيا و الأخرة
“ الذين أمنوا و عملوا الصالحات “
الفعّالية الإيمانية و الفعّالية الإصلاحية
هذه المعادلة المكونة من عنصرين و نتيجة
إيمان صحيح فعال راشد ينتج أعمالاً صالحة
..
إن وجدت نفسك لا تعمل الصالحات ……………… فانظر في ِإيمانك
في قابسك … … أمقطوع هو ؟؟ …. أم بحبل الله موصول …. ؟؟؟
….
ملاحظة : تمعن في هذه الآيات , حلل , أعمل العقل , سوف تندهش …. في نتيجة من فعّل معادلة الإيمان و الإصلاح
…
..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم … بسم الله الرحمن الرحيم
ربي اشرح لي صدري و يسر لي أمري و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي “
ماذا لو كنا نعيش اليوم بين ظهراني حضارة و مدنية اسلامية قوية
تمتلك مصادر القوة و الاستقلال و الندية
لديها العلوم والثروة والإدارة، القانون يسود، العدل سيد فوق الرقاب
لا ظلم.. لا استبداد .. لا طغيان
ما رأيك أن يجتمع كل ما سبق مع إيمان ثابت تزينه مكارم الأخلاق يثمر صلاحاً بكل مفاصل المجتمع
كيف سيكون حالنا ..؟
..هل نعتز بديننا و اسلامنا
هل نلتف حوله مدافعين و منافحين ضد كل من يريد أن يمسه بسوء ..؟
هل نرفع رؤوسنا عالياً بين الأمم
…
..
.
السؤال الآخر
كيف سيكون حال من حولنا …؟
هل يُقبلون مؤمنين ..؟
هل يسعون لكي يكونوا جزء من هذه المنظومة الحضارية الأرضية السماوية ..؟؟
..
دعونا نسأل عدي حاتم الطائي عسى أن يكون الجواب لديه
هو سيد قومه يدين بالنصرانية …. يكن العداء للإسلام من أشد الكارهين للرسول صلى الله عليه وسلم
وفد عليه ……..بناء على نصيحة أُخته التي أطلق سراحها النبي صلى الله عليه وسلم من الأسر
روى ابن إسحاق ……………….كانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت: والله إن هذا الرأي.
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلتُ عليه وهو في مسجده فسلمتُ عليه فقال: “من الرجل؟” فقلت: عدي بن حاتم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك.
قال: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال: “اجلس على هذه”. قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها.
قال: “بل أنت”. فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: “إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا؟”
قال: قلت: بلى. قال: “أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟” قال: قلت: بلى. قال: “فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك”.
قال: قلت: أجل والله. قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل.
ثم قال: “لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه
ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف
ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم”. قال فأسلمت
..
” كلنا عدي “
نعم … عدي يمثل أغلب البشر في زماننا في نفوره من هذا الدين وأهله لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن مصادر القوة و المنعة لكي ينتمي لها
نجد أن (مستضعفي الأرض و المسلمين غالبيتهم) يبحثون عن جنسية تنصرهم من ظالميهم و تحميهم وقت الشدة
…
..
الإيمان اليوم يعني ثمن باهظ يدفعه كل من يحمله في ثنايا قلبه …. كما كان زمن عدي
الإيمان اليوم يعني تهميش وطرد وقتل وتدمير لكل من يحاول رفع راية عدله ….. كما كان زمن عدي
الإيمان اليوم يعني فقر وجوع ومرض يجوب أرض ساكنيه المؤمنين ………….. كما كان زمن عدي
…
..
.
لعلك ………… يا عدي
لعلكم …………. يا بني قومي
لعل بشرى الرسول صلى الله عليه وسلم الاولى التي اسمعته بفتح قريب لقصور بابل
تمتد لثانية يلوح أوانها في الافاق أن نسمع ونرى بالقصور البيض تفتح , والعدل و السلام ينشر
ألا ترون جباه الجبابرة تخر صاغرة في كل ساعة وحين
ألا ترون كيف أذل الله أمام أعينكم من تكبر وطغى وتجبر.؟؟
.. الم نراهم بأم أعيننا مقتولين مشردين مسجونين
أليست هذه مقدمات بشرى بين يدي فرج قادم بعون الله
لعلكم …. ترون المال يفيض كما رأه عدي
لعلكم…. ترون الخير و الأمان فتسير الظعينة من بغداد الى دمشق لا تخاف إلا الله كما رأه عدي
لعلكم ….ترون السلطان و المنعة تعود بين ظهرانيكم كما رأها عدي
علينا فقط أن نجدد إيماننا برب قوي جبار متصرف …. له يعود الأمر من قبل ومن بعد
هل سمعت من
قبل عن الديانة الكنبائية ….؟؟؟ يقيناً الجواب … لا
هل أثارت التسمية انتباهك …؟؟
.
سوف اشرح لك ماهية هذه الديانة
.
سألتني
أبنتي الصغيرة، عن الديانات الموجودة حول العالم
استغرَبت كيف يعبد البعض، الحجارة أو الحيوانات
أثار حيرتها أن يُسجد لصنم ,أن تقدس صورة
كان تعجّبها مرتبطٌ بدرس، كنت قد شرحت لها فيه عن أصنام العرب، اللات… العزة….. مناة وهبل
أردت أن أبسط لها الفكرة بعيداً عن التوسع في تحليل العقل الفردي والجمعي، وسبر أغوار وعجائب النفس البشرية، قواعد نشوء المجتمعات والأمم
قلت لها أي
شخص يستطيع أن ينشأ دين
ما رأيك أن
أنشأ لكي دين الأن على سبيل التجربة
عندها سوف
تفهمين كيف عبد الإنسان الأشياء والأشخاص من دون الله
اشاحت بوجهها عني ضاحكة ومستنكرة…
قلت لها
دعينا نجرب وأنت الحكم
ماذا
تختارين أن يكون الإله ….؟؟
نظرت حولها باحثة عن أي شيء يجعل مهمتي مستحيلة
قالت: بمكر …… كنباية
أجبتها سوف أخترع لك ديانة …. بعون الله
.
” الديانة الكنبائية ”
..
.
كان يامكان
في أحد العصور و الأزمان , مجموعة من الأصدقاء المثقفين , يقضون سهرة جميلة
كانت سهرة صاخبة مملوءة بالضحك والغمز واللمز لكل شيء من حولهم
كانوا يوجهون سهام نقدهم لذلك الجمود الذي أصاب عقول سكان مدينتهم، فهم يقدسون كهنة المعابد و سدنتها، يستسلمون أفراداً و جماعات للدجل والخزعبلات
.
تشاورا فيما
بينهم و خرجوا بفكرة اخضاع مدينتهم
لإمتحان و اختبار
سوف نضع المجتمع أمام تجربة عملية علمية
سننشئ لهم ديانة غريبة، وإله عجيب
ندرس ردود الأفعال، وتأثير قبول ورفض الأفراد لهذه الفكرة
نضع النتائج في بحث ننشره ليطلع عليه الجميع، عسى أن يستيقظوا من ذلك الكابوس العقلي المظلم
أعلنوا عن فكرتهم في النادي الذي كانوا يجتمعون به، أعجب الكثيرون بالفكرة لطرافتها، ولأنها تجمع ما بين التسلية وتحدي فساد العقل وتحطيم ثقافة القطيع التي تقود المجتمع
.
” الإقتراح “
.
في موجة من
الضحك والسخرية، أخذ كل فرد من المجموعة يضع رؤيته لتلك الديانة
منهم من اقترح البحر ومنهم من اقترح النجوم أو الحيوانات أو حتى البشر
لكن محدودية
التحدي في كل تلك الأشياء، جعل اختياراتهم مصيرها الرفض
لم يبدد
الصمت الذي ساد المكان إلا قهقهة عالية
قال: أمكرهم،
لدي اقتراح يمكن أن يصل بتحدينا إلى أقصى الحدود، لما لا نجعل الناس تعبد الكنبة
نظر هناك إلى
اقصى الغرفة، حيث توجد كنبة قديمة قد علاها الغبار وتمزقت أقمشتها وخرجت أحشاؤها
من قطن ولباد وقطع خشبية
انفجر الجميع في قهقهة وضحك هيستيري، لقد كانت
فكرة شيطانية
هدأ الجميع ونظروا في وجوه بعضهم البعض، في لحظة صمت رفعوا أيديهم معلنين قبول الفكرة، لقد كان اقتراح تحويل تلك الكنبة إلى إله يعبد، تشكل قمة التحدي مع النفس البشرية
تم وضع ضوابط الدراسة وقواعد البحث وألية العمل
.
” لاهوت العقيدة “
.
كان عليهم أن يبنوا ديانة وعقيدة قابلة للحياة والاستمرار
تجمع ما بين القدم التاريخي الأسطوري وما بين الدوافع النبيلة الخيرة
كانت خلطة متماسكة، بخطة تسويقية قوية لفكرة تافهة
كان هذا هو صلب التحدي
أركان تلك الديانة بنيت على فكرة أن تلك الكنبة صنعت من أخشاب كانت في الماضي السحيق تعود لعرش مملكة قديمة بائدة، امتلكت أسرار التواصل مع ألهه الكون التي منحتهم رموز الفلسفة الكلية، والعلوم الأزلية، والحكمة المطلقة، وقد فنيت تلك الحضارة لإن صراعاً قام حول استخدام كل تلك القوة والعلوم في السيطرة على العالم
هذا السر العظيم قد انتقل عبر الأجيال من خلال حراس العرش
الذين يتلقون الأوامر من آلهه الكون، ويقومون بمهمة حماية الأخشاب المقدسة، التي تحتوي على طلاسم غامضة تحمل سر الأسرار
لا يمكن السماح لأي انسان أن يقترب من تلك
الأخشاب المقدسة لما تحتويه من علوم، لو وقعت في يد الطغاة فإنهم سوف يستخدمونها
في السيطرة وتدمير العالم
وأن المؤمنين المخلصين يبذلون جهدهم ويضحون
بأموالهم وأرواحهم في سبيل ابقاء تلك الألواح مخفية عن العامة وأن الكهنة المخلصين
فقط لهم القدرة على نطق تلك الرموز للتواصل مع الآلهة
تم حفظ تلك
الكنبة في قبو مظلم بعد اضافة بعض اللمسات الفنية عليها لإضفاء بعض السحر والهيبة في نفوس من يراها، وأغلق
عليها بابٌ حديدي عظيم، بقفل كبير مشابه لأقفال البنوك والمصارف
و انتخبوا من بينهم مجموعة , لكي تكون بمثابة سدنة المعبد
.
”
الدعوة “
انتشروا في المدينة،
يهمسون بين العامة والخاصة عن تلك العقيدة والإله والرموز والأخشاب
نشروا فكرة تلك الديانة بين الناس الذين أخذوا يتكلمون،
ما بين ساخر ومستغرب وفضولي
لم يكونوا يبالون بالسهام التي ترمى عليهم
كان يجتمعون بشكل دوري، يناقشون ردود أفعال من حولهم على فكرتهم المجنونة، يدرسون أقوال الرافضين لها و نفسية المؤمنين الجدد و عقليتهم , يجرون تحليل لكل من تفاعل مع الفكرة ايجابياً أو سلبياً
جاعلين كل تلك المعلومات المتدفقة في كراسات و أوراق بحثية مستخلصين النتائج
.
دقت ساعة الحقيقة
.
جعل أفراد النادي لديانتهم أربع مواعيد في السنة ، كانت بمثابة مهرجانات فصلية ، يصطحبون معهم المنتسبون الجدد في زيارة روحانية خاصة للسر الأعظم
بعد انتهاء طقوس الصلوات الغامضة المبهمة والهمهمات والصيحات، يخرج الجميع الى النادي حيث يتولى كبير الكهنة اخبار الأفراد الجدد، بتفاصيل لعبتهم، وحقيقة الدراسة وأسبابها و نتائجها وسط حيرة الجمهور
يبدؤون بالضحك والتندر وهم يشاهدون وجوههم المنتفعة بهول المفاجئة
كانوا يشرحون تفاصيل تلك التجربة، يضعونهم أمام الحقيقة، عسى أن تستيقظ العقول وتخرج من دائرة التخدير التي هي فيها
كانت ردود الأفعال تختلف، البعض يسب و يلعن تلك اللعبة القذرة التي أهانت عقله، و البعض الآخر كان يضحك معهم على تلك السقطة الروحية، لكن المصيبة الأكبر هي لدى تلك الفئة التي كانت تصمت ….. لا تُشاهد عليها ردات فعل طبيعية، كانت تكتفي بابتسامة متحجرة , لا يفهم منها شئ
كان الجوع والفراغ الروحي قد نال أثره من عقولهم و قلوبهم، و تمكن من زرع نوع من أنواع الفراغات النفسية، كانت أرواحهم جامحة لتصديق أي شيء
” أياً يكن “
لم تكن الأفكار مهمة بقدر أهمية الحاجة للإيمان بحد ذاته، كان الإيمان بتلك الديانة حاجة و ضرورة، من دونها يشعرون بالضياع باللاوجود , كانت تعني لهم الانتماء, الأمان, الترابط ,الإطمئنان .
كادت تلك العقول أن تخرج من دائرة الإتزان
.
” اللعبة مستمرة “
.
انقضت السنوات، خرج الكثير من النادي ودخل البعض الأخر، واللعبة
مازالت مستمرة وفي تطور، ما بين اضافة لقواعد وحذف لقوانين وتعديل لضوابط
لم يعد للآباء المؤسسين وجود، لكن اللعبة مازالت قائمة، أفرادها في ازدياد مضطرد مع كل أزمة مالية أو سياسية كان المزيد من الافراد يتوافدون ، و كان التعقيد يزداد وفكرة التجربة البحثية تضمحل وتختفي لصالح غياب العقل والفكر والتحليل كانت تلك الأزمات بمثابة المغناطيس الذي يجذب الافراد ويدفعهم الى البحث عن المنقذ عن النجاة أيا تكن و لو كانت قطعة مفروشات
لقد تغلغلت فكرة الآله الكونية التي أرسلت أسرار الكون للبشر، في عقول وقلوب أعضاء تلك الديانة، وتحولت مجموعة الأخشاب تلك لجزء لا يتجزأ من واقع أيماني يتم توريثه من جيل إلى جيل، دون دليل عقلي أو حسي
الأبناء والأحفاد يعبدون ما يعبد أباءهم في انقياد الأعمى
.
” الحقيقة ليست للجميع “
.
قلة فقط من أفراد تلك المجموعة كانت تسأل وتستفسر وتُعمل عقلها
أحدهم كان صاحب مبادرة
في إحدى زيارات قدس الأقداس، غافل الجميع سرق المفتاح، كان يريد أن يجتمع بذلك الإله
دخل القبو على غفلة من الأتباع شاهد تلك الكنبة وقد تناثرت حولها الشموع والبخور، كانت مشاعر الرهبة تسري في جوانحه، ودقات قلبه تتسارع، و هو يرى كل تلك الهدايا و العطايا و الكنوز التي قدمت قرابين للأخشاب المقدسة، لكن عقله بقي صامداً، كان عقله الباحث عن أجوبة قد تملك أركانه
ردد الصلوات والتمتمات والترنيمات بخضوع وتجلي
انتظر إشارة منها، صوت، حركة ما
ساد الصمت
المكان، كان ذلك الجمود في المشهد يزيد في قلقه
تردد في
اتخاذ قرار التكلم في حضرتها
كانت أهم قواعد الديانة هي الصمت التام عند
الحضور في التجلي الأكبر ساعة زيارتها المباشرة
لكنه استجمع
شجاعته وبصوت متلعثم خافت، ألقى عليها التحية
عرف عن نفسه
تكلم معها، أخبرها بخشوع بالغ عن أمه وأخوته، عن
أحلامه وآلامه
كان التوتر سيد
المكان
بدأ بطرح
الأسئلة
كانت كل الأجوبة التي وصلته، هي صدى صوته الذي يتردد في ذلك القبو
.
” كسر المحرمات “
.
كان الذنب الأكبر على الإطلاق هو لمسها
تجرأ مقترباً،
باحثا عن طريقة ما للتواصل
قال لها بصوت ذليل لما لا تردين …؟؟ لم لا تجيبين …؟؟
امتدت يده
المرتجفة
لمسها، أحس بالتراب وقد ملئ كفه، لمسها مرة أخرى
انتظر برهة
لم يحدث شئ
كانت سرعة دقات قلبه تتباطئ, و درجات وعيه تتسارع
حاول تحريكها، لكنها كانت ثابتة
بدون تفكير سحب تلك الأغطية البالية ، وقف مندهشاً من هول ما رأه
لقد حشي هيكلها الخشبي , بعشرات الكراسات و الدفاتر و اللفائف
قالت نفسه …… لقد انتصرت على الجميع
ها هو علم الأولين و الأخرين قد اصبح لك
سوف تحكم العالم من خلال تلك الأسرار الكونية
كانت دقات قلبه قد عادت للتدفق ….. كبركان يستعد للإنفجار
سحب إحدى الكراسات ……. أغمض عينيه , فهو يريد أن يستعد نفسيا ً لقراءة أولى تلك الحكم و الأنوار العلمية
فتح عينيه
على أولى الصفحات
تسمر مكانه
كل ما يراه هو كتابات بشرية، أفكار، احصائيات، أرقام، رسوم بيانية
..
أخرج كل تلك الكراسات والدفاتر
لم يجد تميمة واحدة لم يجد كلمات شعوذة ، أو مخطاطات أسلحة خارقة ,أو همهمات أو عبارات سحرية , أو طلاسم و رموز
كانت كل تلك الكتب متشابه مع بعضها البعض، عبارة عن بيانات وملاحظات، وحتى بعض النكات، وصل إلى آخر مخطوطة، كانت قد حفظت داخل صندوق خشبي قديم
أسرع بفتحها، هاله ما قرأ، كانت تفاصيل تلك التجربة العلمية الاجتماعية قد كتبت وذيلت بتواقيع الآباء المؤسسين
.
” ما قبل العاصفة “
.
في تلك اللحظات اجتمعت في عقله مشاعر متضاربة
اندهاش , استغراب , غضب , حنق ,سخط
كان تكذيب كل تلك السنوات التي بقي خلالها يعبد قطعة مفروشات أشبه بخروج الروح من الجسد
كان مجرد التفكير بأنه والآلاف من أهله واخوته المؤمنين، مجرد جرذان تجارب يشعره بالدوار والغثيان
كانت تلك الفكرة أكثر ما يغضبه
طرح الكتب على الأرض ….. صب جام غضبه على الكنبة قام بتكسيرها و الدوس على أخشابها , كان يريد أن ينتقم من ذلك الإله المزيف ….. من أصحاب تلك التجربة
أخذ يبكي بحرقة على أيامه التي أضاعها
أخذ يفكر كيف سوف يكشف للآخرين ذلك السر الدفين الذي انقضى عليه سنين طويلة
هم لن يصدقونه
من المؤكذ أنهم عندما يشاهدون الكنبة مكسرة سوف يتهمونه بسرقة الأسرار والأفكار وبالتالي سوف يعتبرونه خطراً على العالم
سوف يقتلونه لا محالة
..
.
في خضم كل تلك المشاعر والأفكار المتضاربة، أخذ يبحث عن حل يضمن له حياته ويضمن ايقاظ أخوته من ذلك الفخ
.
” فكرة شيطانية “
.
لما أنا هنا
…؟؟ سأل نفسه
أليس من أجل أن اتعلم الحكم المطلقة وسر التواصل
مع الآلهة
ألست وحدي
من يعرف سر الأسرار …؟؟
زُرعت
ابتسامة صفراء على وجهه
نعم لقد حصلت على السر الأعظم
وهو من القوة بمكان لكي جعلني أحكم وآمر وأسيطر
أعاد كل شئ إلى مكانه مثبتاً الأخشاب بطريقة محكمة، قام برسم بعض الطلاسم الغير مفهومة على أخشابها
.
” رئيس الكهنة “
.
خلال أشهر، كان قد تحول إلى أنشط المؤمنين في الصلوات والدعوات وإلقاء الترنيمات والعظات والخطب الرنانة، كان ذلك النشاط المتقد بمثابة السلم الذي حمله سريعا الى قمة الهرم
أخذ يتحدث عن رؤى تصيبه عن الآله , وعن الأسرار المخبئة في تلك الكنبة ، كان له صولات وجولات خطابية رنانة، جذبت له الشباب
أخذ يطالب بتغيير قواعد تلك الديانة مستخدماً تسرع الشباب
لم يكن المؤمنون القدامى يستطيعون أن يواجهوا شعبيته الكاسحة، لقد إمتلك وحده، سر معرفة وقراءة وتفسير تلك الطلاسم، التي رسمها بيده
أخذ يخط المخطوطات، واضعاً فيها شروحات و مفاهيم الديانة الكنبائية , ناشراً أفكاره بين أتباعه , لقد تحول إلى الرجل الأول في المعبد , الكاريزما خاصة به, تجذب كل من يستمع إليه , ازداد أتباعه في المدينة , كان المؤمنون يحجون إليه و يسألونه العون و النصيحة كانت الأموال تغدق عليه من كل حدب وصوب
مرت السنوات
ووصلت شهرته أفاق كل المدن وما حولها وكادت أن تنافس الملك في قصره
الذي استدعاه على عجل
.
” تزاوج السياسة والسذاجة ”
.
كان لقاءاً سريعاً وبسيطاً
تمخض عن اتفاق
التعاون والتقاسم
التعاون في نشر الجهل مقابل غطاء سياسي ديني مشترك ، يسمح بتقاسم الموارد
هكذا بدأت معادلة سوف تستمر وتنشر النظام الأول للسيطرة الذي من خلاله يتحكم بمصير الانسان والمجتمعات على مدى الأجيال
.
” الخلاصة “
.
أيها السادة قصتنا البسيطة التي تم تأليفها وسردها بأقل من عشر دقائق، هي نموذج لأغلب الديانات والعقائد الوضعية
التي نراها حولنا اليوم
والتي سمعنا بها فيمن سبقنا من أقوام
والتي سوف تعبد فيمن سوف يأتي بعدنا
.
مجرد حالة بشرية تتطور مع الزمن قد تستمر وقد يطرأ عليها التعديل والتحريف
إنها جزء من مراحل حياة تطور الأنسان وصراعه من أجل أن يفهم ماهيته وأسباب وجوده، وحقيقة رحلته التي تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت , هي نقاط فاصلة في مراحل يفقد فيها البوصلة, فيشبع حاجته الإيمانية بما توفره له بيئته من عروض روحانية
.
” الإستثناء “
.
كافة الأديان والعقائد لديها قابلية التعديل والتحريف سواء أكان منشؤها سماوي أو أرضي
إنها أمراض وأدواء طبيعية ضمن مسيرة الانسان، وتطور العقل وتنقله ما بين النظريات والأبحاث
إنه جزء من تكوينه …..من تقلبه في نعمة الإختيار واتخاذ القرار
.
لكن هناك استثناء وحيد ليس من قابلية التحريف والتزييف
.
إنه استثناء
في المقاومة
الاسلام هو الدين والعقيدة الإيمانية الوحيدة المتجددة التي تمتلك ضمن أركانها القدرة على مقاومة التحريف والتعديل
الاسلام هو الدين و العقيدة الإيمانية الوحيدة التي تمتلك نص إلهي ثابت يقرأه اليوم طفل في غابات اندونيسيا بنفس الكلمات و الأحرف و المقاطع الصوتية التي قرأئها نبي هذه الأمة محمد صلى الله عليه و سلم قبل 1400 سنة
الإسلام هو الدين و العقيدة الإيمانية الوحيدة التي تمتلك أدلة و براهين نصية و علمية و أدبية و عقلية عابرة لزمن تضع من يطلع عليها أمام تحدي وجودي أن أكون أو لا أكون
الإسلام هو الدين و العقيدة الإيمانية الوحيدة التي تحدت الخلق مؤمنه و كافره أن يجدوا فيه اختلاف أو خطأ
الإسلام هو الدين و العقيدة الإيمانية الوحيدة التي طلبت بل أمرت و حضت و شجعت الخلق مؤمنه و كافره أن يعملوا عقولهم تفكيراً و تحليلاً و مناقشةً لنصوصه و أياته و براهينه و أدلته
الإسلام هو الدين و العقيدة الإيمانية الوحيدة التي خاطبت العقل و أعلت شأنه … جعلته مفتاح كل مغلق مبهم
الإسلام هو الدين و العقيدة الإيمانية الوحيدة التي أعلنت التواصل مع رب الكون متاح للجميع دون وسيط أو وكيل
الإسلام هو الدين و العقيدة الإيمانية الوحيدة التي أوضحت سبب الخلق وصفات الخالق و هدف الوجود و مخطط البداية و النهاية بتفاصيل و بيانات و أرقام
هي العقيدة الإيمانية الوحيدة حررت الانسان من عبادة الأفكار والأشياء والأشخاص
كان يا مكان في قديمِ الزمان , غابةٌ كبيرة , قد مُنحت السعادة كلها , الأرض الطيبة و الهواء النقي و الماء الرقراق و الحيوانات المتنوعة و العصافير المغردة
كان يوجدُ من الأشجارِ أنواعٌ لا تعدُ ولا تُحصى , مما أعطى للغابةَ ألوانأ خلابة , وجمالاََ يأسِر العقولَ و القلوب
في أحدِ ايام الصيف الحارةَ , حصل هُجومٌ غريب من حشراتٍ , يقال لها (( المن )) , هذه الحشرةَ الصغيرةَ , تعيشُ على أغلب أنواع الأشجار و النباتات , تمتصُ غذائها و تَتَسببُ بجفاف أغصانها , ماعدا نوعٌ واحدٌ فقط من الشجر, يقال له الأرز هذ النوع لديه حماية إلهية , فورقُه إبري , و طعمه لا يستسيغه المن
تكاثر المنُ بشكلٍ كبيرٍ وسريعٍ جداً , اصبحَ هناك أعداد هائلة منه , و لم تعد توجد أيُ شجرة ٍٍسليمةٍٍ تستطيعُ الحشرات أن تتكاثر عليها
اجتمع مجلس شيوخٍ المن , و تباحثوا في الحلولٍ التي يجب أن توضع لضمان حياة الأجيال القادمة , قرروا أن عليهم التخلص من شجرالأرز , لكي يتسع المكان لنمو أشجارٍ اخرى , يستطيعُ الجيلُ القادمُ من المنٍ أن يعيشَ عليها
واجهت الحشراتُ صعوبةً كبيرةً في تنفيذِ مخطاطتها , فهذا النوع من الشجر لديه جذورٌ قويةَ , راسخةٌ عميقاً في الأرض , و غير قابلة للإقتلاع , وجذوعٍ ضخمة ٍعالية لا يمكن قطُعها , و أوراقها ابريةَ تحميهِ من الحشرات , فما هو السبيل لقلع أشجار الأرز
هنا تدخل مخلوق شرير يقال له .. الشيطان .. و قدم خطةً ماكرة لحشراتِ المن , و معاً ناقشوا تلك المؤامرةَ, و وضعوا فصولها و أجزائها
أُعلن في الغابة عن حفلٍ موسيقيٍ يحيه فنانون كبار, و نجوم لامعين من عالم الفن لم تبدي أشجار الأرز أي اهتمام , و قالت إن أنغام العصافير تكفيها , و تُؤنسها , و تنشرُ السعادة في جنبات الغابة
علت أصواتُ الغناء والموسيقى الصاخبةَ أرجاءَ الغابةَ بطريقةٍ مزعجةَ و خاصةََ أنها كانت لا تنتهي إلا مع بزوغِ الفجر , و استمرت تلك الحفلات زمناً , حتى هجرتِ الطيورُ و الحشرات و الحيواناتُ المكان , لإنها لم تعد تستطيع النوم , لم يبقى صامدا في الغابة إلا أشجار الأرز, التي لم تعد تسمع زقزقةً العصافير , و بدأت شيئاً فشيئاً , تعتادُ سماعَ الموسيقا الصادرة من الحفلات التي تكاد لا تنتهي
..
بدأت الهمساتٌ تصدرُ من البعضِ عن جمالِ الموسيقا , وعن الرغبة ًفي حضورِ تلك المناسبات الراقصةَ , قالت حشراتُ المن , إذا أرادت أشجارالأرز, أن تحضرَ الحفلة , عليها أولاً أن تتخلصَ من أوراقها الإبرية , فهي تزعجُ الحاضرين
.
وافقت أشجارُ الأرز, والقت غطاء أغصانها على الارض , و أصبحت شبهَ عاريةٍ , وبدأت الحفلة تلك الليلةَ و علتِ الأصوات , لكنها مازالت لا تستطيع الحضور , سألت المن ؟؟؟؟ ماذا استطيعُ ان افعل , كي احضرَ الحفلة , فأنا ارى باقي الشجر و البشر, يطربون و يتمايلون على تلك الأنغام , اجابها المن : عليك ِ ان تُخرُجي جُذورَكِ من الأرض و تأتي للحفلة , و سوفَ يكونُ اسهلُ عليكيِِ الرقصُ و التمايل
انصاعت اشجارُ الأرز لأِقتراحِ ( المن ) , و أخرجت جذورها العميقةََ من الارض , و أخذت تتمايل الى ان وصلت الى تلك الحفلة التي كانت تتوسطها نارٌ عظيمةَ تشتعل , و جماهير غفيرة من الناس ترقصُ على اصواتٍ الغناء و الموسيقا
ارتفعت الإبتسامةُ على شفاه الأشجار , أخيراً تحققَ الحلمُ , و سوف نستمتعُ بحضورِ هذه الحفلةَ الى الصباح , لقد حُرمنا كل تلكَ السنوات من هذهِ المتعة و السعادة
إن تلك الأشجار التي بقيت و رفضتِ الحضور سوفَ تندم على موقفها المعارض لكل ماهو جديد , لقد حَرمت نفسها بإبقاء جُذورِها و أوراقِها , إنها ترفض التقدم و الحضارة
فقط التسلية هي مقياس السعادة الحقيقي
علتِ الأصوات , و ارتفعت الأيدي , و ارتجت اقدامُ الراقصين , و شاركت الأشجارُ بكل ما لها من قوة , في الرقص و التمايل, لقد كانت حفلةً ممتعةً
إلى أن حدثَ شئٌ غيرَ مجرى تلك السعادة
بدأت تلكَ النارُ العظيمةَ تخبوا و ضوؤُها يذهب , و تسلَلَ الظلامُ إلى تلك الساحة…………………….. و تعالت صيحاتُ من في الحفلةَ , أن أشعلوا النار و أكملوا الحفل الساهر
همس ( المنُ ) في أذُنِ مُنظِمي الحفل , أنَ هذا الحفل لن يستمرَ دونَ نار مشتعلة, و نورها المشع
لابد من اشعالها , علينا أن نُوقِدُهُا
أُعلن في الحفل أن اشعلوا النار , و دعوا الحفلَ يستمر إلى الصباح ………………..بدأَ الناسُ بإلقاء ما وجدوه حَولهم من أغصانٍ و أخشابٍ , لكن النار مازالت تخبوا
بدأت الجماهيرُ الهائجة , تنظرُ إلى تلكَ الأشجار , فهي بلا أوراق , و جذورُها خارج الأرض . إذاً هي جُذوعُ أشجارٍ يابسةَ, تصلُح للإحتراق و إشعالِ النار
أمسكت الجماهير بأشجار الأرز و حملتها بإتجاه النار , ظنت الأشجارُ البائسةَ , أن هذا جزءٌ من الحفلِ , و أن الناسَ تُريد أن ترقُص معها ؟؟؟؟؟
إلى أن حدث ما لم تُصدِقُه ………. لقد ألقيت في تِلك النار, أخذت الأشجارُ تصرخُ و تبكي و تستجدي الناسَ , أنها مازالت على قيدِ الحياة , أنها ليست أخشابً يابسة …………. كلما زاد ألمها و صُراخها وأرتفعت أصواتُ اشتِعال أخشابها , كانت الجماهيرُ تهوج و تموجُ , و تُلقي بالمزيد
لقد تحولَ الحفلُ إلى حالةٍ منَ الهيستيريا, أختَلَطت فيها أصواتُ العزف و ضَحِكات الناس بصراخ الأشجار و بُكائِها
مع كلِ ذلك الجنون المسعور, أرتفعت ألسنةُ اللهب عاليةً . و بدأ الشَرَرُ يتطايرُ بكلِ مكان , مشكلاً حرائقَ متفرقةَ في جنبات الغابةَ , لم يمض وقتٌ طويلٌ , حتى أمتدت النيرانُ في كافةِ اشجارِ الغابة , مُحرقةً كلَ شئٍ
ألتقت تلكَ الحرائقُ بعضُها ببعض . مشكلةً طوقً حولَ الغابة , لم يعد يستَطيعُ أحدٌ الخروجَ أو الدخول , تحولت إلى كرةٍ منَ اللهبِ المشتعل , أنقلبت فيها أصواتُ المحتفلينَ من ضَحِكاتٍ و صفيرٍ و تصفيقٍ…….إلى صراخ و فزع و خوف و عويل …… لقد أضاءت تلك المحرقة العظيمة سماءَ الغابةَ من شِدتها
مع بُزوغِ أول خيوط ضوءِ الشمس و أختفاء سوادُ الليل , سُمعت ضَحِكاتٍ مُرعبةٍ , هي أقرَبُ الى أصواتِ الوحوشِ و الجن منها الى أصواتِ البشر
إنها ضحكاتِ مخلوقِِ شريرِِ , أسَعَدَتُهُ تِلكَ المجزرةَ , بكلِ ما فيها من قسوةَ و ألم وعذاب و موت
لقد أحترقت الغابة بأكملها , لم تُبقى نيرانُها أي شئٍ , سوى الرماد…. رمادُ ما كان سابقا , لحشراتٍ و بشرٍ و شجر
لم تنتهي قصتنا بعد
تحتَ ترابِ و رمادِ تلك الغابةَ , يقبعُ شئ ما ….؟؟؟؟؟؟؟ ……………………. بذورٌ صغيرة طاهرة , سوف تنموا عما قريب و تعيدَ للغابة رونَقها و جمالها و عَظمتِها ………………… إنه يومٌ قريب
روى البُخاريّ ومسلم من حديث عبدالله بن عُمر بن الخطَّاب – رضِي الله عنْهُما – قال: سمعتُ رسولَ الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم يقول: انطلق ثلاثةُ رهْطٍ ممَّن كان قبلكم، حتَّى أوَوا المبيتَ إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرتْ صخرةٌ من الجبل فسدَّت عليهم الغار
فقالوا: إنَّه لا يُنجيكم من هذه الصَّخرة إلاَّ أن تدعوا الله بصالِح أعمالكم
فقال رجُل منهم: اللَّهُمَّ كان لي أبَوانِ شيْخان كبيران، وكنت لا أغْبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في طلب شيءٍ يومًا فلم أرُح عليهما حتَّى ناما، فحلبتُ لهُما غبوقَهما فوجدتُهما نائمَين، وكرهت أن أغبقَ قبلَهما أهلاً أو مالاً، فلبثْتُ والقدح على يدي أنتظِر استيقاظَهُما حتَّى برق الفجْر، فاستيْقَظا فشرِبَا غبوقَهما، اللَّهُمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتِغاء وجْهِك، ففرِّج عنَّا ما نحن فيه من هذه الصَّخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج
قال النَّبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم
وقال الآخَر: اللَّهُمَّ كانتْ لي بنتُ عمّ، كانت
أحبَّ النَّاس إليَّ، فأردتُها عن نفسِها، فامتنعتْ منِّي حتَّى ألمَّت بها سَنةٌ
من السنين، فجاءتْني فأعطيتُها عشرين ومائة دينار على أن تُخلي بيْني وبين نفسِها،
ففعلتْ، حتَّى إذا قدرتُ عليْها قالت: لا أحلّ لك أن تفضَّ الخاتم إلاَّ بحقِّه،
فتحرَّجت من الوقوع عليْها، فانصرفتُ عنْها وهي أحبُّ النَّاس إليَّ، وتركت
الذَّهَب الَّذي أعطيتُها، اللَّهُمَّ إن كنتُ فعلت ابتغاء وجهِك، فافْرُج عنَّا
ما نحن فيه، فانفرجت الصَّخرة غير أنَّهم لا يستطيعون الخروج منها))
، قال النَّبيُّ – صلَّى
الله عليْه وسلَّم
وقال الثَّالث: اللَّهُمَّ إنّي استأجرتُ أُجراءَ فأعطيْتُهم أجرَهم غير رجُل واحدٍ ترَك الَّذي له وذهب، فثمَّرت أجْرَه حتَّى كثُرَت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أدِّ إليَّ أجْري، فقلتُ له: كلُّ ما ترى من أجرِك، من الإبل والبقر والغنم والرَّقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئْ بي، فقلت: إنِّي لا أستهزئُ بك، فأخَذه كلَّه فاستاقَه، فلم يترك منْه شيئًا، اللَّهُمَّ فإن كنت فعلتُ ذلك ابتِغاء وجْهِك، فافرجْ عنَّا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصَّخرة، فخرجوا يَمشون))
مشاهدات في الحديث
المشاهدة الاولى: العدد ليس واحد وليس اثنان , إنما ثلاثة , ما يشكل رمزية لعينة مجتمع , بأصغر تكوين له
افراد هذا المجتمع المصغر, خاضعون لخطر عظيم , و محنة مميتة , سوف تقضي على الجميع , هم في حالة انقطاع عن العالم مما يمنع عنهم , طلب أي شكل من اشكال المساعدة الخارجية , و هم عاجزون عن أي القيام بأي عمل ذاتي , لمواجهة المصير المحتوم
نلاحظ تجانس و تطابق أراء الافراد الثلاثة , على أن الحل هو : بالجوء لله عز و جل بصالح الأعمال , يعطيك تصور أن الثلاثة كانوا على نفس المنهاج الرباني , و طريقه القويم , لم يكن طرح الحل على سبيل التجربة, أو على سبيل المحاولة اليائسة كان لديهم يقين , و ايمان برب العالمين , بدليل اعمالهم التي قدموها في سابق حياتهم
المشاهدة الثانية : عمل الفرد الأول كان على بساطته ورقته ,عظيماً في ميزان الله عز و جل , لم يكن يقدّم على والديه في شرب اللبن المحلوب عشاءََ أحداََ من أهل بيته ……. رعاية الأب و الأم , و التذلل لهما رضاً و تقرباً و محبة , سعياََ لدفع دين سبق اقراضه , و درساََ عملياََ لأطفاله ((( الأجيال القادمة ))) لما يتوجب عليهم فعله اذا ما حال الحول , و أتى وقت سداد دينهم
لا يمكن لهذا الزوج , القيام بهكذا عمل الا بوجود زوجة , محبة , على صلة مع الله عز و جل , رغم حالة اطفالها الذين ناموا جياع , رغم الرقة التي يرقها عادة الكبيرعلى الصغير, و الرحمة التي فطرت عليها الأم, إلا انها كانت ترى في ما يفعله زوجها هو حق الله , الذي يسبق حق اطفالها و نفسها و اسرتها , هي كانت تشعر بالإطمئنان , أن هذا الزوج الذي يخاف الله في والديه هو نعم الزوج الذي يحفظها , و يتقي الله فيها و يعمل على اسعادها و احترامها و توقيرها ,استمرار الزوج بهذا العمل , يترك لنا الأنطباع بأنها لم تعترض على فعله , لم تترك بيتها , لم تهدم اسرتها , لم تشرد عائلتها , لم يكن للأنا في هذه العينة من المجتمع وجود , إلا من خلال بقاء و سلامة و احترام النحن – الجميع
المشاهدة الثالثة : عمل الفرد الثاني كان يتعلق بفساد الفرد و المجتمع , و رغم كثرة اشكال الفساد المؤدية الى دمار المجتمعات , إلا أن من أكثرها تأثيراً و اعمقها تخريبا ً, هو الزنا لما له من دور في فرط عقد الأسرة , و اختلال المجتمع فأحد الدوافع الرئيسية , من تكوين الأسرة , وانفاق الأموال , و الشقاء الجسدي و النفسي و الروحي في العمل , خارج و داخل البيت , انما تحركه تلك اللذة و اللمسة و الضحكة و السرور و السكينة و الراحة التي تجمع جسدين , و روحين , على فراش و احد, لدقائق معدودة , تكون كفيلة بشحن الجسد و الروح لاستمرار التضحية بالعمر , في سبيل إكمال و أستمرار دورة الحياة , فاذا ما فشا الزنا في المجتمع , كان بمثابة البديل الشيطاني , للخراب و الدمار و الفناء, مقابل البناء الرباني , للعمار و البقاء و الإستمرار
.
.
من خلال العودة الى مجريات قصته الذي رواها بنفسه , نرى أنه كان مقبل على جريمة رباعية الأبعاد , تسمى في قواعد القضاء الجزائي الوضعي …….. (( الأسباب المشددة للعقوبة )) …. حيث
أنه كان قد شرع بفعل الزنا الذي وضعه رب العزة في موضع الكبائر التي يستوجب فاعلها غضب الله و عقابه الشديد في الدنيا و الاخرة
أنه كان سوف يقوم بفعله الأجرامي , على فرد من افراد أسرته , أهله , عائلته , الذي يفترض عقلاً و منطقاً أن يبذل روحه في الدفاع عنه
أنه أستغل حالة الضعف و الفقر و الجوع التي كانت عليها المرأة , و التي لولاها لما كانت تمكنه من نفسها
أنه دنس قدسية الحب , التي كان يكنها لها , تلك العلاقة المقدسة , التي ترق معها القلوب في والصدور و يضحي فيها المحب بما يملك رخيصاََ في سبيل اسعاد محبُوبَه
رغم كل تلك الشرور التي كان مقبل عليها , إلا أن الكلمة التي قيلت له ….. (( إلا بحقه )) …هزت أركانه
, ُتراه فكر …. بحق من …….؟؟ أهوَ حقها بحياةِِ شريفةِِ طاهرةَ ؟؟؟؟ أم حقُ ذريةِِ يمكن أن تولد دون أب ؟؟؟؟ أم حق المجتمع بأن يكون متماسك محمي من الظلم …؟؟؟ أم حقه هو بأن يحيى حياة العفاف ؟؟؟؟؟ أم حق الله الذي أنزل أوامره حفظاََ لكل تلك الحقوق……..
إلا بحقه ….. لمست زاوية من زوايا قلبه لم يعلم بوجودها إلا الذي خلقه …… تلك الكلمة جعلته يلجم بركان الشهوة و الشر و يقوم عنها , ويترك لها المال , فقط خوفا من الحق
نرى هنا في هذا النموذج أن مجتمعاتنا لا تتشكل من ملائكة , إنما من بشر يخطئون و يصيبون , هنا نرى التمايز الطبيعي بين خير و شر في هذه العينة المجتمعية , حيث أن الفرد الثاني ( كان عاصِِ ) كان مختلف عن الأول و الثالث ( اللذان كانا صاِلحين ) وكم من عاصِِ , كانت توبته نصراََ و خيراََ على مجتمعه و على من حوله
المشاهدة الرابعة : عمل الفرد الثالث , كان يتعلق بالإحسان في المعاملات المالية, و الاقتصادية , لم يكتفي رب العمل بأداء حق عماله بالوقت المحدد , حسب ما هو متفق عليه, وانما تعاملَ مع عُماله , و حُقوقِهم , بإحسان لافت و مستغرب , لقد قام باستثمار ذلك المال القليل و نماه بإخلاص , و امانة و شرف, حتى كثر و بورك فيه , و تحول إلى مال كثير, و هنا نرى امرين اساسين
الأمر الاول : ان بالإخلاص و الامانة و الاحسان تم بناء رؤوس اموال جديدة , , التي هي اهم ما يقوي المجتمع , و يدفع عنه غائلة الجوع ,و العازة , و الهزيمة , و يشد اركانه, و يقوي افراده , كان لدينا صاحب راس مال واحد ,( بالإخلاص )و( الامانة) و( الاحسان) جمع مابين المال و الخبرة , فانتج رأس مال اضافي للمجتمع , قادر على انتاج رؤوس اموال اخرى ايضا اذا ما اتبعت نفس الصيغة الربانية .
الأمر الثاني : إن رد الأمانات و حفظها , و بل الاحسان في التعامل مع الحقوق المالية , هو الطريق الوحيد للامان الاقتصادي و المالي , لأي مجتمع , بدونها يكون المجتمع هو مجتمع المتغلب القوي , الذي نراه اليوم في اقتصاد السوق, المبني على تدمير المجتمعات و اعتلاء ظهر الأفراد , و افراغ جيوبهم , ورفع ارقام ديونهم , لتحويلهم لعبيد, في مصانع , و حقول, و استثمارات المتغلب القوي , ليضمن قوته و سيطرته و استمرار طريقته………و ذريته من بعده .
المشاهدة الخامسة: إن الأعمال الثلاثة كان الهدف و المحرك الاساسي و الوحيد لها هو
( رضاََ لرب العالمين).
( خوفاََ من رب العالمين).
( صلةََ لرب العالمين ).
الأول: لم يصبر على جوع اولاده ,و نظرات زوجته , الا رضاََ لرب العالمين
الثاني: لم يحل ما بينه و بين قضاء شهوته العارمة ممن يحبُ ويهوىَ , الا خوفاََ من رب العالمين
الثالث : حفظُ الأمانة البسيطةََ والسعي لإنمائِها و التعب و الجهد في سبيل ذلك دون مقابل , لا يكون إلا صلةََ لرب العالمين
مجتمع محركُ اعماله اليومية الأسرية و الأجتماعية و الأقتصادية , الله رب العالمين , كيف له ان يُذل او أن يفنى , مجتمع قريب من المصدر الوحيد لكل شيء, الروحي و المعنوي و المادي , كيف له ان يشقى . مجتمع ربط افراده انفسهم بحبل الله المتين و اعتصموا به……………………. لن يقهروا أَتَضيعُ صناعة صنعها الله بيديه و وضع بها سرا من روحه , و باهى بها ملائِكته و خلقه , و انزلها خليفة له في ارضه , و وعدها بجنته مادامت تسير على طريقه ؟؟؟
!! المشاهدة السادسة: مع العملالأولفرجت الصخرة , لكنهم مازالوا غير قادرين على النجاة !! مع العمل الثاني فرجت الصخرة لكن الفرجة لم تكن كافية للخروج مع العمل الثالث اكتمل تحركُ الصخرة و خرج الثلاثة يمشون
يخرج المجتمع من معضلاته, بأعمال متكاملة متضامة في مابين افرده , ليس هناك حل منفرد سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو روحي , إنما هي حلول مترابطة , ليس هناك في المجتمع الرباني….( سوبر هيروا) …. البطل الجبار القادر على فعل كل شئ , و المجتمع يقف موقف المتفرج المصفق لبطولاته , افراد المجتمع جميعهم سعوا لإيجاد الحلول و تطبيقها و تنفيذها , ليصلوا الى النجاة مجتمعين ليس هناك نجاة فردية , النجاة الفردية مجرد وهم , لا يمكن ان تتم النجاة و تكتمل الا بجمع اعمال افراد المجتمع و تكاملهم
بوابات الفرج الإلهية ……. هل تمتلك مفتاحك ….؟؟؟؟
الاعمال الصالحة الخالصة لوجه الله هي مفاتيح بوابات الفرج الإلهية , يغير الله بها سُنن الكون و قواعد الفيزياء و الكيمياء و تقلب بها موازين الارض , فقط حمايةََ و حفظاََ لعبادِِ مقربين
.
.
.
هي حل بسيط لخلاف طال امده و انتشر شره طولاََ و عرضاََ , ما بين تحريم و تحليل لجواز التوسل , هاك حديث صحيح لا بس فيه ولا نقاش واضح المعالم , بدلا من أن تتوسل بأعمال غيرك , توسل بأعمالك انت , دعك من غيرك الذي ذهب , و انظر تحت أقدامك , فأنت مازلت هنا
رسالة مضيئة من كهف مظلم
قصة الثلاثة حدثت في مكان و زمان غير معلوم , لا نعرف اسمائهم , لكننا تعلمنا أن عملهم حقق المعجزات
هذه القصة سبحت في الزمان , ووصلت الى اجيال متلاحقة , تنقل اليهم سبيل الفرج و النجاة, و ترشدهم الى الطريق الذي ارتضاه مالك السموات و الارض
حين يضل المجتمع طريقه و يتوه بمعاصيه و فساد افراده , نجد هؤلاء الثالثة قد حملوا لنا خطة نجاة , ووقفوا على باب الكهف المظلم يُرشدوننا , و قد حملوا مشاعل الأمل ليضيؤا لنا بوابة الخروج
.
.
ها هم الرهط الثلاثة قد ذهبوا ……… فهل تكون أنت رابعهم …….؟؟؟؟
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ….. بسم الله الرحمن الرحيم
.
” انقلاب في السماء “
.
أن تميز عن
غيرك بميزات تعلي من قدرك و شأنك ويخلع عليك من المنن ما ترفع فيه الى مقام عالي
دوناً عن اقرانك ، ثم تخرج من ذلك كله بإرادتك وتكون من المطرودين المرجومين
المبعدين وتنحط إلى أسفل السافلين بعد أن كنت في عليين، هذا لعمري أمر شديد
قصتنا اليوم هي قصة مخلوق سماه الله عز وجل ابليس نستعيذ بالله العظيم من شره وشر اعوانه وأن يحضرون
.
” المقام “
ربما كان ابليس صاحب ميزة ما, من عبادة أو طاعة أو أي عمل جعله مؤهلاً لكي ينعم عليه بمكانة ميزته على قومه و جنسه ورفعته لمقام رفيع
فيخاطب بخطاب واحد مع الملائكة و يكرم بالتواجد في مكان عال مميز ينعم بكرم الله و يُغدق عليه بسكينة القرب و رحمات الأمان
سواء أكانت
تلك المكانة مكتسبة أم أنها هبة, إلا أنها
حقاً نعمةٌ عظيمة جداً, لها دلالاتها المهمة , فهي توضح لنا أهمية العطاء الذي كان
يتقلب فيه و التميز الذي خصص له
نحن طبعاً لسنا مكلفين بالبحث عن هذه الميزات سواء أوجدت حقاً أم لا , و لا عن كون المقام منح له تقديراً أم هبةً أم امتحان
بقدر ما نحن مكلفين بتحليل شخصيته ,و الأسباب التي دفعته لارتكاب ما يمكن اعتباره أكبر جريمة في تاريخ الخلق أن تعصي أوامر جبار السماوات و الأرض شديد العقاب بعد أن ميزك و أعلى من قدرك … و تسعى لدخول المليارات من الخلق نار جهنم ؟
أياً كانت تلك الأسباب لابد أنها ذات تأثير شديد دفعته لكي يسدد ثمن أليم و عظيم نتيجةً أتخاذه القرار المصيري الذي سوف يؤثر عليه و على نسله و نسل أدم لحين قيام الساعة
.
” الإنقلاب “
إن تلك المكانة التي خلعت عليه من المحتمل أنها أتت مع الكثير من النعم و العطايا و ربما القدرات و المسؤليات مما أهله للاطلاع على الكثير الكثير من دلائل قوة الله و عظمته و جبروته ورغم ذلك الإيمان اليقيني المبني على علم و فهم و مشاهدة لملكوت الله و و مقام رفيع و قدرات مميزة , إلا أنه كفر بأوامر الله وعصاه
وزاد في غييه و عصيانه أن اقسم بعزة خالقه أنه سينقلب على تلك النعمة التي وصل إليها بإتخذه محاربة الله و عباده عملاً و وظيفةً بل طلب من الله عز و جل أن يبقي عليه زمناً عسى أن يستمر بمهمته التي أوقف نفسه و ذريته لها , فلا يبقي من أولاد آدم ناجياً معافَ من فتنته
” البيان …. رقم واحد ”
.
كما يعرف عن الانقلابيين سواء اكانوا سياسيين أم عسكريين أن يصدروا بياناً يعلنون به عن سبب انقلابهم و عن الخطط و الأهداف التي ينشدونها
كذلك فعل ابليس الرجيم صاحب أكبر انقلاب تعرفه الأرض و السماء اصدر بيانه الأول يبين فيه سبب انقلابه و خططه و أهدافه و وسائل التنفيذ
.
بين الله لنا ذلك في آيات من سورة الأعراف , حيث قال بعد اعوذ
بالله من الشيطان الرجيم
في الآية
رقم 11 عرف صاحب الانقلاب عن نفسه و زكاها و فصل في أصله و سبب انقلابه
في الآية رقم 14 يطلب الوقت لكي يشمل شره كل فرد من أبناء ادم
في الآية
رقم 16 استبدل مفهوم الامتحان بمصطلح الغواية , كعادة الظالمين يسمون المسميات بغير اسمائها عدواناً و ظلماً يحاولون طمس الحقيقة و يدفعون عنهم ابتداء الخطأ و الذلل و ينسبوه لغير انفسهم
في الآية رقم 17 تحت ضغط من جنون العظمة و الأنا المتضخمة أعلن كبقية المجرمين المهوسيين عن جريمته وكشف عن اسلوبه
جنس الجن ممثلاً بأبليس مادة الصنع { نار }………………… أنا
جنس الانس ممثلاً بأدم عليه السلام مادة الصنع { طين } ……. هو
.
نجد : تنافس بين ثلاثة أجناس { الملائكة , الجن , الأنس }
ترابط بين جنسين {الملائكة , الأنس }
تنافر بين جنسين { الجن , الأنس }
.
نجد : أربع و عشرين محور رئيسي : الأرض , خليفة , يفسد , يسفك الدماء , اعلم مالا تعلمون , علم ادم , الأسماء كلها , اسماء هؤلاء , إن كنتم صادقين , لا علم لنا , أنت العليم الحكيم , أنبأهم بأسمائهم , أعلم غيب السموات و الأرض , أعلم ما تبدون , تكتمون , اسجدوا , فسجدوا , إلا إبليس , أبى , استكبر , كان من الكافرين , أنا خيرٌ منه , خلقتني من نار , خلقته من طين
.
نجد : تسع أفعال رئيسية رسمت الأحداث : اخبار , استفسار , تعريض , تعليم , تنفيذ , اعتراف , أمر , طاعة , معصية
.
” الجوهرة الزرقاء ”
من ضمن مليارات مليارات الأجرام المبثوثة في
صفحات السماء من كواكب و نجوم و ما نعلم و
ما لا نعلم من خلق , هناك تسبح أغلى جوهرة
في عقد الكون , درة الكواكب و المجرات , الماسة الزرقاء التي ترصع تاج الوجود , إنه الكوكب الفريد البديع
قال المولى إني جاعل في الأرض , مليارات الكواكب تصلح لكي يطلق عليها اسم أرض لكنه عز من قائل عندما اضاف ال التعريف , انصرف الخطاب لأرض محددة دوناً عن باقي الأجرام, و عندما استفسرت الملائكة انصرف كلامهم للأرض المعرفة حصراً
ألا يضعنا هذا أمام تصور عن مدى تميز كوكب الأرض
كمكان عند الله عز و جل …؟؟
..
لِمَ لمْ تستفسر الملائكة من الخالق عن أي كوكب يريد ..؟
في أي نظام شمسي ..؟
في أي مجرة ..؟
في أي زاية من زوايا الكون ..؟
تريليوني مجرة موجودة في الكون المرصود
الذي تصل المسافة إلى حافته المشاهدة 45.7 مليار سنة ضوئية
الملائكة عرفت الأرض التي يقصدها الله عز و جل
مباشرة دون أي مجال للخطأ
..
..
إنها الأرض و إنه الخليفة
كان الخطاب بمثابة القرار الذي هز أرجاء الكون , أُعلن من خلاله أن التكليف قد ذهب لخلق جديد , لجنس لم يعهدوه من قبل
هل كان التغيير في مراكز القوة هو الذي قلب الموازين التي كانت قد استقرت , والتي عرفها و ألفها كل من الملائكة و الجن
هل كان الإعلان هو نقطة التحول عند ابليس ..؟
..
هل رأى أن
هذا التميز الذي كان ينعم به, اصبح مهدداً من قبل لاعب جديد سوف يوضع بالساحة و
ينازعه المكانة …؟
و هل ما شغل أبليس كان مكانة القرب و التفرد أم مكانة التكليف… ؟
..
من المعلوم أن كل من الجن و الانس هما جنسا المخلوقات التي اعلمنا الله أنه خلقهما و كلفهما بتكاليف و أنهما مخيران في قرار الإيمان أو الكفر و أنهما سوف يحاسبان يوم القيامة وأن النار سوف تكون مثوى للكافرين و الجنة مثوى للمؤمنين
هل وجودهما في ساحة اختبار واحدة و الترابط ما بين العالمين و وجود نقاط التقاء وتأثير هو محور الخلاف الذي اثر على ابليس و دفعه لاتخاذ قرار العصيان …؟؟
هل كان صراع على الموارد أم صراع على المكان , أم على المكانة …؟؟
..
هل هو سبب
واحد أم مجموعة أسباب وراء اتخاذ ابليس
قرار السقوط و الانقلاب من مقام القرب إلى مقام البعد و الطرد و الرجم ..؟؟
ربما مجموع كل
ما سبق ذكره ..؟
إلا أنه يبقى هناك سبب ما ران على قلبه فحوله إلى حجر أصم فهو لا يمكن أن يتخذ قرار الانقلاب بشكل مفاجئ لا بد أن هناك شيئاً ما كان يملأ قلبه و أتى اعلان تنصيب الخلفية كتحصيل حاصل لما سبق أن تسربل به و كتمه و لم يبده
الجواب من الممكن أن نستشفه من قوله
” أنا
“
جوابه كان صريحاً
كانت الأنا هي ما يشغله , ربما كان يرى نفسه أنه استحق مكان القرب وحده دون عن بقية المخلوقات المخيرة
هذا المخلوق الجديد الذي اختير لكي يكون خليفة للخالق على هذا المكان المميز , من الممكن أن ينجح في هذا الامتحان فيسبقه بالقرب والعلو و بالتالي تتحقق اسوء كوابيسه و هو أن يصبح بالمرتبة الثالثة بعد أن كان قد خرج من المرتبة الثانية و التحق بالمرتبة الأولى و اصبح مرافق للملائكة و مخاطب بخطابهم
هل كان
يشعر بالنقص بينهم , فهو من نار و هم من نور ..؟؟
كيف يأتي هذا الطيني لا ينازعه في المكانة و يشاركه المكان فقط , بل يسبق الملائكة النورانية في القرب…؟
.
” نحن
“
الأية
الكريمة رقم ثلاثون من سورة البقرة تفتح لنا نافذة صغيرة ننفذ من خلالها لعالم
المخلوقات النورانية , أعلمنا الله أنهم متفاوتون بالخلق فمنهم رسل ذو أجنحة
ثنائية و ثلاثية و رباعية و منهم حملة العرش و منهم المسبحون و المستغفرون و
الكتبة و الحفظة و خزنة الجنة و النار و حراس بوابات السماء و المصطفين و الرصد
المخصصين لحفظ الرسل والرسالات …. الخ
النظرة العمومية لهم أنهم جنس من الخلق لا يعصون الله و أنهم يسبحون الله ليلاً و نهاراً , و أنهم مكلفون بأعمال ينفذونها دون رفض فهم مفطورون على الطاعة
هذه هي النظرة الشمولية العامة عن هذا العالم و هي صحيحة , لكنها تبقى قاصرةً عن وصف عالمهم
يغيب عن بالنا ما أرادنا الله أن نعلمه عن هذه المخلوقات العليا
أنهم خلق مؤمنون أي أن الله العلي القدير هو غيب
بالنسبة لهم و ليس كما يتصور البعض أنهم كالوزراء بالنسبة للخالق يجلسون في مجلسه تعالى و تقدس الله عن أي شريك
إنهم ليسوا مخلوقات روبوتية كما نتخيلهم
نعم هم خلق يطيع لا يعصي إلا أنه أيضا لديه مساحة ما من التفكير , تجري بينهم الأحاديث وربما النقاشات , حيث استخدم الله عز و جل فعل قالوا لوصف ردة فعلهم على اخبارهم عن آدم و ذريته ,أي أنهم مخلوقات صاحبة ردود افعال و أنهم يتحدثون لأن الله عز من قائل استخدم فعل قالوا أي اصدروا اصوات لها معانى و التي لا تصدر إلا من خلق عاقل
استفسروا من الله عن هذا الخلق الجديد مستخدمين فعل اتجعل , هنا الاستفسار دليل على أنهم يحاكمون الأمور و يدرسونها و يفصلوها و يعملوا شي ربما يشبه ما نستخدمه نحن من محاكمة عقلية لأمر طارئ حدث امامنا أو طلب منا أمرٌ جديد لم نختبره مسبقاً , مما يقتضي الأستفسار
الحقوا
استفسارهم بالظن أي أن استفسارهم كان ظني , فهم لم يختبروا هذا المخلوق الجديد
ربما تفحصوه وعلموا عنه اشياء كثيرة لكن
لم يحيطوا به كما يحيط به من خلقه و من يعرف مستقره و مستقبله و الحكمة من خلقه و الظن لا يأتي إلا ممن يُعمل مع العقل النفس و
الباطن أي أنهم , اصحاب مشاعر
من كل
الجرائم و المعاصي التي يمكن أن يرتكبها أي مخير مكلف ,لم أختارت الملائكة الإفساد في الأرض و سفك الدماء
كتهمتين قد يرتكبهما هذا القادم الجديد
أعلنت عن ظنها بأنه سوف يفسد هذه الجوهرة المكنونة المميزة و الدرة
الكونية ويعتدي على قضية ألهية خاصة يتفرد
بها عن خلقه ألا و هي هبة الوجود و الحياة , , قد يكون سؤالها استفساري لو لم
تلحقه بقولها و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك و الحقها الله بكشفه عما في قلوبهم إني
اعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون , لقد زكوا انفسهم و بأنهم هم المسبحون و المقدسون
و بالتالي ربما يكونوا هم المستحقون
هنا يأتي دور الأستحقاق هل هذا الجنس من الخلق النوراني كان يبحث عن المكانة أم المكان …؟
هذا سؤال عظيم و جوابه اعظم و هو قد يكون محور المهمة و الرابط الأساسي الذي جمع ثلاثة عوالم مختلفة
..
نعود لتلك الجوهرة الأرضية الزرقاء لعلنا نجد الجواب فيها
رغم أنهم من اصحاب القرب و القدرات و التميز و هم سكان السماوات الذين يعلمون الكثير الكثير عن ملكوت الله إلا أن شيئاً ما عظيم لدرجة أن يخرجهم من حالة الاستقرار التي هم فيها إلى حالة الاستفسار الظني محاولين اظهار مكانتهم وافعالهم و قربهم ,عسى أن يحصل هناك تغيير ما في المشهد
.
” فيها ”
لابد أن جنس
الملائكة الذي يتكلم و يتناقل الأحاديث و يسبح و يقدس و يطيع ويعلم عن خلق الله و
ملكوته و سماواته ما شاء الله له أن يعلم , قد عرف أن هذا الكوكب مميز ليس فقط
بكونه يحتوي الخلق و الحياة متفرداً عن باقي الأجرام و إنما أيضا هناك شئ ما سوف يرتبط
به
إنه التكليف لماذا تريد الملائكة التي لا تعصي أن تكون مكاننا على هذه الأرض و تحمل مهمتنا ..؟؟؟
هل علمت أن نتيجة هذه المهمة هو شيئٌ ما ,عظيم جداً ..؟؟
عظمته يفوق مجرد تميز و تفرد بحياة لا بد أنها زائلة في يوم
ما
هل الخلود هو ما اقلق الملائكة ..؟
رغم كون الملائكة جنس عاقل يفكر و يتكلم ويَشرف بتنفيذ مهام , و له من مقام القرب ما رفعه عن الكثير من الخلق و مادة خلقه علوية هي النور , كل ذلك التميز الذي يتمتع به , إلا أنها تبقى مخلوقات يجري عليها ما يجري من سنن الله على خلقه و من أهم تلك السنن هو الموت , علمت أن الجنات هي مكان الخلود الدائم الذي لا موت بعده و أي موجود تنعم بنعمة الوجود لن يرغب بأن يعود عدماً
..
.
ربما لا شيئ مما سبق
.
ربما شيئ أخر أجل و أعظم من أرض مميزة و تشريف تكليف و جنات و بقاء و خلود
ربما شيء من النعيم المخصوص هو ما جعل مخلوقات علوية تغبط ذلك الطيني
ماهو هذا الشئ العظيم التي طاقت له الملائكة
المقربون حتى أنهم حاولوا أن يزاحموا ادم و اولاده و رغبوا أن يخضووا الامتحان
بدلاً عنهم
…
..
.
” أعظم نعمة ينعم بها على الخلق ”
.
مقام التجلي الأعظم
هل تاقت أرواح و نفوس الملائكة المكرمون
…لمقام لقاء المحبوب
هل أرادوا أن يتشرفوا بدرجة قرب تجعلهم يرون الله
هذا الاله الذي خلقهم و هم يؤمنون به غيباً و لم يشاهدوه أو يروه حتى أن الروح القدس , سيدي جبريل عليه السلام الذي قال عنه المولى ذي قوة عند ذي العرش مكين , هو روح الله وصفه بأنه مكين أي صاحب مكانة عند ذي العرش , رغم كل ذلك التميز
عندما حل مقام القرب وقف المخلوق النوراني و تقدم أبن ادم الطيني
هل تكون رؤية البديع الذي ابدع كل هذا الجمال هي غاية الغايات , هي الجائزة الكبرى التي اشتاقت لها الملائكة و تاقت لها الارواح
إنها أعلى درجات الفيوضات إنها رأس العطاء
نحن أيها السادة احفاد آدم تلك المخلوقات الطينية التي هي في سلم مادة الخلق قد نكون أقل المخلوقات شأناً, إلا أننا بحب خاص من الله خالق الأكوان و نعمة عظيمة وفضل يمكن أن نسبق الملائكة و الجن و الخلق في مقام القرب
.
هذه هي المهمة الغير مستحيلة التي من الممكن أن يقوم بها
.
“هو”
إنه الغائب الذي بدأ الصراع حوله في السماء و الأرض وهو مازال في طور الخلق و الصناعة . إنه المخلوق الذي خلقت له درة الكون و سخر له مافيها من خلق و ابداع و جمال و سكينة , و أخضع له كل ما فوقها و ما تحتها و ما يعلوها
أخضع لك 510.10
مليون كم 3 من الأرض , بجبالها و محيطاتها و بحارها و صحاريها و غابتها يعيش عليها ما يقارب من مليونين من المخلوقات
الحية , كلهم مسخرين بين يديك
أخضع
لك 93 مليار سنة ضوئية من الكون , بما
فيه من مجرات يقدر عددها ب 200 مليار مجرة بكواكبها و نجومها و شهبها و اقمارها
ألم تعرف قدرك بعد :
أنت كرم الله
أنت ابداع الله
أنت خليفة الله
وعزة الله و
جلالة قدره لو وعى البشر هذه الآية الواحدة من القرآن لذابوا حباً بربهم
اذاً خلق لك
كوناً و أرضاً و سماءً ووعدت بجنةٍ و خلودٍ و رؤية المحبوب .. لِما ؟؟
هذا هو
السؤال لما..؟
لِما اسجد
لك الملائكة و فضلك على ما شاء الله من
الخلق
لِما أعلا
لك شأناً
ماهو المميز
بك يابن آدم ..؟؟؟؟
.
هذا السؤال
الذي سألته الملائكة استغراباً, لم تعرف سبب تمييز آدم و ذريته , عجزت أن تجد
سبباً , فأقرت لله بقصور علم المعبود وقالت :
لا علم لنا إلا ما علمتنا و شهد الله لنفسه بالعلم إني أعلم مالا تعلمون
علم المخلوقات محدود بما
اختار لهم الخالق , فالخالق المتصرف بخلقه يخلق مايشاء على الكيفية التي يشاء و
يخلع عليهم من النعم و العطايا ما يشاء و يكلفهم و يمتحنهم بما يشاء
فهو الموجد الخالق المحيط الخبير هذا هو لب و جوهر و نقطة الالتقاء مابين مخلوقات الله
يزداد ظهوره و يتجلى في المخلوقات العلوية من مثل الانس و الجن و الملائكة , حيث تلتقي بأنها مخلوقات لها مشاعر , تحب التمايز , تتمنى لنفسها الخير و الخلود و القرب لكن يختلف جنس الملائكة بكونه غير مخير في المعصية و الطاعة
قد يرغب و يتمنى و يكتم و يظهر و يظن لكن عندما يأتي الأمر الإلهي , ليس له الخيار فالطاعة هي الجبلة التي خلق عليها
و هنا يأتي تميز الجن و الانس في أنهم مخلوقات تختار , ألية الأختيار هي جوهر الامتحان في أن تختار التسليم و الطاعة رغم أنك
محدود الإحاطة
محدود العلم
محدود الخبرة
فتنسب تلك الطاعة للحكمة العظيمة الإلهية و تضع ثقتك بالخالق فتكون تلك الحظة الفارقة هي الإعتراف و الاستسلام بأنك منسوب لخالق و أنك مجرد عبد رغم ميزة الإختيار التي تتمتع بها إلا أنك تجدد مع كل امتحان تتعرض له أن هناك إله محيط و عليم و خبير
أن تختار الايمان بالله عز و جل هو جوهر تميز أولاد أدم , أن تختار بالحرية الممنوحة لك طاعة الله و التسليم لحكمته , ان تقاوم كل مغريات المعاصي و وساوس ابليس و اتباعه هي نقاط تفوقك على الخلق و قد تكون سر سجود الملائكة لك
باختيارك الايمان و ما يتبعه من عمل للصالحات , و تمسكك بأوامره تعلن فوزك بالامتحان
بينما رفضك و معصيتك لله منبعها شعورك بأنك كبير بما لديك من علم و احاطة و خبرة
و انك تستطيع أن تسير امورك درن الرجوع لهدى الله عز و جل
هذا هو اساس التكبر و الأنا الظلومة ,أن تستقل بنفسك المخلوقة عن خالقها فتجعل من نفسك إلهاً , فتنازع الله فيما له ولو كان الجزء التي تنازعه فيه من أمر الدنيا لا قيمة له أمام ملكوت الله إلا أنه هو محور الامتحان
..
.
هنا فقط سقط ابليس الرجيم بالامتحان , لم يعلم لِما ميز آدم و ذريته و كرم عليه ,لم يثق بحكمة الله ,و لم يسلم له
استقل بنفسه
و بقراره , نسب لنفسه العلم و الفهم , جعل الأصل في الوصول هو للمادة المخلوقة و
ليس للخالق , فهو مقرب لأنه مصنوع من نار , بينما ذلك الطارئ مخلوق من طين
رفض السجود، كما يرفض الكثير منا السجود، لأوامر الله , تكبراً و عجرفةً
في داخل كل منا جزء تلك السقطة من تلك الأنا الشيطانية
و في داخل كل منا جزء من هؤلاء الذين قال عنهم الله عز و جل إني أعلم ما لا تعلمون
هنا يأتي دورك في الاختيار أن يكون اسمك من ضمن , أسماء هؤلاء إن كنتم صادقين , أو أن تكون من الشياطين
” هم “
هؤلاء تصرف للعاقل إذاً من
عرض على الملائكة كانوا من العاقلين، و صادقين تصرف للملائكة عندما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك
الدماء , وهم تصرف
لمن عرض على الملائكة و لم يعرفوهم و انبأ ادم بأسمائهم
أهم المصلحون الراشدون الذين سوف يقاومون الشر و أهله و يحيون الخير و يصلحون في الأرض و يحفظون الأعراض و الأموال و الأرواح , أهم خاصة الله من عباده الصادقون الراشدون العاملون .. الذين عَلِمَ الله اسمائهم و علّمها لآدم و انبئها للملائكة ؟؟؟
..
.
مهما كثر الفساد و عم الشر يبقى من أسماء ولد آدم ما شاء الله أن يكون
لم يشعر بالأبوة من قبل , لقد انتفضت روحه حبوراً , أحس أن خلايا عصبية لم تكن تعمل من قبل , دبت فيها الروح من جديد.
..
من أنت أيها الملاك ؟؟؟…….. من أين أتيتِ ..؟؟
..
.
” الخطوة الأولى “
.
علت الأهازيجُ و الألحان…….. أصواتٌ لم يَسمع بعذوبتها من قبل في أي مكان …. ترانيمُ تحيي الأموات
نودي بإسمه ………. أُدخل ………..؟ ؟
َإنها …… جنتٌك , تنتظرك
..
كل شيء كان سريعاً , لم يعيي ما يحدث حوله
..
من هؤلاء القوم ..؟؟
يالِجمالهم , يالحُسنهم ….. تبادر إلى ذهنه أنهم ليسوا من سكان الأرض
كانوا يبتسمون له , يبشون بوجهه , يرحبون به ……. لكن من هم …؟؟
..
إنهم أجدادك و أباؤك , سعداءٌ بقدومك عليهم … ألم تعرفهم …؟؟
..
لكني لم أرى والديَ أبداً , لم أعرفهم , أنا الشريد أبن المَيتم , لم أجد من يحبني يوماً
ما هذه المشاعر التي تسبح في عروقي ..؟
لم هذا الدفئ الذي ينبض في قلبي ..؟
..
وضع يديه على أذنيه , غطى وجهه بساعديه , كطفل ساذجٍ بريء
أراد أن يبطئ سيل الصور و الأصوات
لم تعد حواسه تكفي لنقلها لوعيه
لم يعد قلبهُ يتحمل دفق المشاعر و الأحاسيس
لم يعد عقلهُ قادراً على تحليل و توصيف ما هو فيه
.
أمسكت بيدها الغضة وجهه , همست بإذنه ….. لا تحزن …… ليس للحزن مكان هنا
..
هيا معي إنهم بانتظارك
..
من هم …؟؟
..
هبت نسائمٌ جميلة , تحمِلُ عطوراً ليس لها مثيلٌ على الأرض …… قالها مستيقناً
..
ما هذا الذي أمامنا ….؟؟
..
” الحديقة “
..
.
وقفلَ مذهولاً من ذلك الشيء ……………لم يجد له وصفاً , إنه حِجابٌ ينسدل من السماء و يصل إلى الأرض , كلما حركته النسماتُ المنعشة اللطيفة , تساقطت من جنباته مئاتٌ بل ألوف الورود و الرياحين , بأشكالٍ و ألوانٍ و جمالٍ , لم يُرى مثلهم من قبل
..
.
هل أنت مستعدٌ يا والدي ….؟ شدته تلك الكلمة , لم يسمعها من قبل , ذُهل بها عن كل ذلك الجمال و الحسن الذي حوله , جعلته يستسلم بين يديها كأبٍ حنون
لم تفارق يدها يده …… كانت تلك اليد هي الوحيدة التي تُشعِره بالأمان
..
إنشق ذلك الحِجاب الذي غطى عنان الأفق و أرتفع
..
توقفت كل خليةٍ من خلايا جسده , لم يعد يستطيع أن يغمِض عيناه
..
بِساطٌ من العُشب الأخضر , يمتد إلى أقصى نقطةٍ يصلها بصره , مغطى بورودٍ و أزهارٍ و نباتات , ليس لها على الأرض من مثيل
ألوانها , أشكالها , رائحتها اجتمعت كُلها كأجمل لوحة يمكن أن تراها العين
رفع رأسه فإذا بفوانيسَ ذهبية ٍتسبح ما بين السماء و الأرض تُضيء المكان بنورٍ لطيف ٍ, تُشعر الناظر لها بالدفئ و السلام
..
.
أحس عند قدميه ما يشبه الأرنب بوبرٍ من الحرير , ينسدل على وجهه , اقتربت منه الكثيرُ من الكائناتِ الجميلة , كانت تنظر له بعيونها الواسعة و تبتسم له , كمن يرحب بضيفٍ عزيزٍ طال انتظاره
..
كل ما حوله من مخلوقات كان يتفجر بالحياة , بالنشاط , بالحيوية , بالحسن , بالإبداع ……………….. لو أن لي متراً واحدة من هذه الحديقة على الأرض , لاكتفيت من الدنيا و مافيها …………… هكذا قال عقله
..
.
سَمِع صوت أطفال من بعيد , ما أجملها من ضحكاتٍ بريئة , كانت قهقهاتهم تزداد وضوحاً و تجلياً له … لم يحجبها عنه إلا تلٌ صغير
..
.
صعده مسرعاً , كمن تعلم , أنه كلما تقدم ازداد الخير و العطاء
وقَفَ مذهولاً
لقد كانت أمامه حديقة , ليست أزهارها كأي أزهار و لا ووردها كأي ورود , كانت بتلاتها أطفالٌ كأنهم لؤلؤ مكنون , جمالهم و حُسنهم لا يوصفُ بكلماتٍ أرضية ,أعمارهم ما بين السنتين و الأربعة , كانوا بانتظاره , تجمعوا حوله , يلمسُونه يعانقونه و يقبلونه
..
أحس أن روحَه كادت تفيض من جسده , بعد كل تلك السنوات و الزيجات و الحرمان من الأبوة , ها هو يلعب مع أطفاله و هم بالمئات , لقد تحول رغم هيبته و قسمات وجهه القاسية , إلى طِفلٍ صغير يلعب مع أقارنه
لقد خرج ذلك اليتيم من سجنه أخيراً
ها هو يلعب و يمرح …. و بين عائلته يسعد
..
لم يخرجه مما هو فيه من سعادة و حبور إلا رفرفات طيورٍ جميلة حطت بالقرب منه
..
لم تكن طيوراً عادية , هي أقرب ما تكون لمخلوقاتٍ أسطورية , ريشها طرّز بالياقوت و المرجان , عيونها تسلب العقول و تُوقِف الزمان , ليس لحدود جمالها وصف و لا بيان , أقتربت منه على استحياء ثم جلست بين يديه و نشرت أجنحتها فغطت عنان السماء
كان منظراً مهيباً بكل ما للكلمة من معنى , أقتربن منه أكثر ومع كل خطوةٍ يزداد نورهن قوة
حتى حجبن رؤيته , و ما هي إلا لحظات حتى عاد له بصره , فوقع على ما كان بمثابة الصاعقة التي أصابت فؤداه
انقلبت الطيور إلى نساءٍ جميلاتٍ لا يمكن أن تصفهن لغات العالم كلها ….. ولو اجتمعت كلِماتُها و أحرُفها
…
..
.
قلنَ له بصوتٍ واحدٍ رقيق ………………… إنها بانتظارك و قد أحرق كَبِدها شوقَ لقائك
ارتفع به في عنان السماء كشهابٍ مسرع , كلما علا و أرتفع , اجتمعت حوله المزيدُ و المزيدُ من الحور ذوات الأجنحة
كن كمن يستقبلن سلطانٍ أو ملكٍ متوج
..
كلُ ما حولهُ كان يتفجرُ بالجمال , رفع بصرهُ عالياَ , ففتح فاه مندهشاً , كانت أنهار من السماءِ تنبع
تصب مياهها الصافية الرقراقة على شكل شلالاتٍ فتنتشِر ذرات مياهها في السماء كلؤلؤٍ يُنثر
..
هناك في الأعلى ….. فوق غيمةٍ عظيمةٍ قد أنتصب , قصرٌ مشيد ٌأبيض
به ألف باب و باب , أجتمع حوله مئات بل آلاف الخدم و الحشم , قدموا له التحية و صدحت حناجرهم باسمه ، معلنةً وصول مالك المكان و صاحب الأنًفًةِ و الإحترام
…
..
.
توقف به الهودج أمام بوابة بيضاءَ مهيبة , لمَعت بعقلهِ صورةُ قصره الأرضي , نفس اللون …. لكنه هناكهومشؤمٌ و هنا هو مبارك
..
أُلقيت على كتفيه عباءةٌ من حريرٍ تلمع , و على عرش قصره حُمل و وضع
حل السكون و طال السكوت حتى النَفَس لم يُسمع
فجأةً بدأت ألحانٌ تُعزف , و ترانيم هادئة لطيفة تعلوا و تصدح…. معلنةً أن حدثاً عظيماً سوف يحل قريباً
..
.
شُق المكان بنورٍ عظيمٍ ………. وخرجت
فطأطأت الأعناقُ جميعاً ……………………….. وأنحنت
لقدوم حُسنٍ لو رأه أهل الأرض لذهب بعقلوهم و ألبابهم
..
أصبحَ قلبه ينبض كمرجل بخاريٍ قارب أن ينفجر
أصابه الخرس و الصمم
و ذُهل عمن حوله ………….. إلا البصر
لم يرد أن يغيبَ محياها عن مقليته ولو لرمشة عين
خُلع قلبه عندما قالت له ………….. أشتقنا لك أيها الحبيب
..
.
أمسكت بيديه وغابا خلف الحُجب و السُتر …. ليقضيا ساعة النعيم المُقيم
..
على فرش من السندس استلقيا
و صفحة السماء قد نشرت أمام ناظِرِهِما
..
أيتها الحبيبةَ ماذاك الذي في الأفق يلمع ..؟؟
إنه مقام عالٍ للمصلحين قد خُصِص
و ما ذلك العقد من النجوم يتلألأ..؟؟
إنه مقام الأُنس على الصابرين الحامدين قد أُغلق
مازال يسأل و يسأل عن منازل أهل الجنة
حتى
سكتت ….. و دمعة ٌ براقةُ على خدها المورد بالجمال و الحسنِ سقطت
..
أيها الحبيب …. أيها الرفيق ……. قلبي يحترقُ بنُطقِ أحرُفِها …….. جملة ٌلا بد أن تسمعَها
آن الآوان يا توأم الروح
…
..
.
آوان ماذا ………….. يا درةَ الدُرر, يا بهجةِ القلوبِ و منبعُ الجمال
..
.
عليك أن تعود …….. كي تتخذَ القرار
…
..
لم يعيي كلماتها , كان في حال من النشوة و السلام و الهيام , لا يمكن أن يوصف بكلام
…
..
” العودة “
أبتي الطريق من هنا , أمسكت يده وانطلقت به
أسمع يا والدي ساعتك في الجنة شارفت على الإنتهاء أترى هذه الطريق المستقيمة هي طريقُكَ إليها , إن سرت بها وصلت إلينا
بينك و بينها بابُ التوبة , إن طرقتهُ مخلصاً فُتح لك …… أصلح أبتاه ما خربته يداك , أحيي من الأنفس ميتها , أصلح و أنشر العدل في أرضها و ربوعها
فما زدت من خيرٍ فيها عاد إليك أضعافاً هنا ………….. لا تتأخر علينا …..نحن بانتِظارك
.
.
بدا كل ما حوله من قصورٍ و أنهارٍ و حدائق غناءَ يبدوا …….كسرابٍ يبتعد , أخذ يبكي و ينوحُ و يرتعد
ركض خلفه ………… محاولاً أن يصرخ , لم يخرج له صوتٌ ولا حسٌ , كأن صدره ……. كان قد ذبح
..
فجأةً وجد نفسه يقف على صعيدٍ ليس فيه شجرٌ ولا عمران , إلا شمس حارقة و ضوءٌ ساطع
بدأت قدماه تغوصان في الأرض
حاول الاستغاثة , حاول الممانعة , لكن الأرض ….. كانت قد ابتلعته
..
.
فتح عينيه الدامعين
.
نظر حوله , أطبق على فؤاده حزن و هم شديدين , رغم كل جمال و حسن تصميم قصره , و بذخ مفروشاته و تحفه و نجفه , إلا أنه لا يساوي ذرة أمام ما كان فيه
..
.
فجأةً …… وقف على قدميه , أحمرت عيناه و أمتلئت أوداجه بالدماء , بدأ بتحطيم كل ما حوله ….. كأن الغضب و الكره سريعاً ما عاد إليه ………………. كان ينفثُ كتنينٍ خرافيٍ متوحش , هرب الخدم و الحشم …… و كل من كان حوله
هم يعرفونه ……… ليس للروح عنده من قيمة ولا مقام
..
تملكه غضبٌ شديد ٌ…. لم هذا البلاء الذي أنا فيه , لم أخرجوني من السعادة التي لم أشعر بها من قبل
لم يجب أن أعود إلى شقائي و همومي
أريد هناك ………….. أريد ماذا في السماء
كان يصرخُ و يبكي و ينتفض كمن تلبسته الشيطاطين
..
.
فجأةً
سَمِعَ همساً ………….. سَمِعَ صوتاً
ًإنها هي … مهلا ً
ركض كمجنون هائج , يقفز من مكانٍ إلى مكان , و من باب إلى باب , يبحث عن جنته …… عن مقامه ……. عن ابنته
.
ِأينَ أنتِ ..؟؟؟ …؟؟ أين ملاكي ………… أرجوكي لا تدعيني أعاني ……………….. أُريدُ أن أكونَ مَعَك
..
لمسَ الطيفُ وجنتيه ِ, تجمدَ بمكانهِ …… تيبست أطرافهُ , لم تطرف عيناهُ ……….. إنها هي ….. ابنتي حبيتي , قرة عيني
..
.
أبي ….. نحن بانتظارك
قالت تلك الكلمتين و طبعت قبلةً على جبينه ……………. فخرَ مخشياً عليه
..
مر على تلك الحادثة وقت ليس بالقصير و هو طريح الفراش , زاره كل طبيب و ساحر وعراف , لم تعرف حاشيته له مرض , كان كمن تحول الى نبتة بشرية تأكل و تشرب لكن ليس لها تأثير في زمان أو مكان
..
.
كان بانتظار القرار …………………… لم يعرف الاطباء شيئاً عن تلك المعارك التي تدور في داخله
ما بين شر و فساد اعتادته نفسه و بين سكينة و سلام عاشتها روحه
..
لم يكن الصراع سهلاً ليس الأمر بسيطاً كما يعتقد القارئ
كان في داخلهِ
جبالٌ من الخير والشر تتناطح
وديانٌ من الشقاء و الطمأنينة تتعارك
عرف أنها ليست معركته المصيرية فقط , بل مصيركل من حوله ممن ربط القدر سعادتهم و حياتهم و أمنهم و أمالهم بقرراته و أوامره
…
..
.
صبيحة ذلك اليوم الماطر وقف في حديقة قصره , رفع يديه عالياً كأقصى ما يمكن أن تصله في عنان السماء , كان يريده أن يعلم ويرى أن القرار قد أُتخذ …………….و أنه إن شاء الله ….. إلى جنته عائد
..
.
سوف يطول شوقي إليكم أيها الأحبة …………. وليس بيني و بينكم إلا……. ساعة
.
.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
أجدادها يعودون في التاريخ إلى مئات الملايين من السنين , يُعتبرون من أوائل الكائنات التي عاشت على الكرة الأرضية
استيقظت جرثومتنا بطلة هذه المقالة في أحد أيام عام 2022 هي الجيل رقم 784226777632589969245000
..
سَبحت في ذلك السائل اللزج متلمسةً طريقها بين بني قومها من الجراثيم , تعرفت على جيرانها ,تبادلت معهم قصص و أحاديث الزمن السحيق
قالوا لها أن الوضع الخليوي الاحيائي ليس بأحسن حال ,أخبَروها كيف أن البيئة بدأت تتغير حولهم, شرحوا لها وجوب التكيف مع المتغييرات الكيميائية و الحرارية التي تطرأ كل حين
..
توجَهت لهم بسؤال: لمَ تحدث هذه التغيرات..؟؟ هل هي نتيجة عوامل و مؤثرات خارجية أم أنها طبيعة الأشياء ..؟؟
نحن لا نعرف إلا هنا , ما هو الخارج ؟ ماهي حدودهُ ؟ هل يوجد جراثيم مثلنا ..؟؟
أم ربما كائنات بأشكال و أحجام و صفات أخرى ؟
إضطرب محيطها و تزلزل
عادت لهم ذكريات قديمة حول شائعات يتم تداولها ما بين الحين و الآخر عن وجود كائن علوي اسمه الانسان هو المسيطر و المغير ؟
..
أخذت جرثومتنا تفكر, تنظر, تحلل , استخدمت كل ما لديها من قدرات و مواهب , سَبَحت بكل اتجاه , تحسَسَت كل خلية و مساحة حولها , سألت, استقرأت ثم قالت …. أتيتُكم بالجواب
ليس هناك شيئ خارج هذا العالم لأني سافرتُ , درستُ و تبحرتُ , لم استطع أن أجد دليل قاطع على و جود عالم غير عالمنا أو مخلوقات غيرنا , لم ألمس …أو أرى … هذا الذي اسمه انسان
الحياة أقصر من أن نشغل أنفسنا بعوالم افتراضية قد تكون و قد لا تكون
انقضت الستونَ دقيقة سريعاً كأنها لمحةُ بصر , نظرت جرثومتنا الكهلةَ و هي على فراش الموت لمن حولها من أبناء و أحفاد قالت لهم بصوت ضعيف ………………………………………….الآن حقت ساعة …….
” الحقيقة “
أن بعضنا لا يختلف عن هذه الجرثومة البسيطة , يريد أن يقيس كل شيئٍ بمقاييس القدرات البشرية المحدودة و القاصرة
..
نظن أننا محور الحياة …… نحنُ الكون و الكونُ نحن
..
نختصر الموجودات و المحسوسات ضمن اطار ما نستطيع أن نراه و نلمسه و نشمه و نتذوقه و نفكر به ,رغم كل الضعف و العجز البشري الذي نعاني منه و محدودية الوجود المرتبطة بمرادفةِ الحياة و الموت, نريد أن ننفي وجود متحكم أعلى منا
معتمدينَ بقرارنا المصيري على معلومات و بيانات لا يرقى مجموعها أن يكون نقطةُ ماء في بحر
ننسب للعلم و العقل ماليس فيه من قدرات لكي نثبت أننا موجودين صدفةً دون هدف و غاية
العلم تراكمي متغير: ما علمهُ أجدادنا ليس ما نعلمه اليوم و ليس ما سوف يعلمه أولادنا و أحفادنا من بعدنا فلا يمكن الاعتماد على متغير ناقص في نفي وجود شيئ خارج القياس العلمي
العقل تحليلي قاصر: يعمل ضمن المتاح له من معلومات , لو اجتمعت عقول البشر جميعاً من أول البشرية لآخر يوم من الوجود لن تبدع أو تتخيل شيئً خارج عن المتوفر لها من بيانات , بالأساس ليس لها يد في انتاجها أو ابداعها أو تصميمها
كيف يمكن لقاصر محدود أن ينفي وجود شيئ هو ابتداءاً عاجز عن التفكير به أو تصور كُنهُ ..؟؟
..
“ماذا لو “
أجرينا مقارنة مابين عمر الكون المنظور من جهة و عمر البشرية من جهة ٍ أخرى
أي تصورات عقلية منطقية سوف نخرج بها ..؟؟
عمر الكون المنظور حسب فريق دولي من علماء الفلك في جامعة كورنيل * هو 14 مليار سنة
عمر البشرية حسب التطوريين لا يتجاوز 2.80 مليون سنة أو 8 مليون سنة لمن يريدُ حِساب السنوات التي عاش بها كقرد شامبانزي
الانسان صهر المعادن 4000 قبل الميلاد , استعمل الحديد 1500/1000 قبل الميلاد ,اكتشف الخلية عام 1665 , نظرة بسيطة نجد أننا كبشر احتجنا ل 2.8 مليون سنة لكي نتعلم مالذي يجري على سطح جلودنا و أننا بهذه المعلومات التافهة مقارنةً بما هو غير معروف حَولَنا اصبنا بالنشوة و السكر و جنون العظمة
الكِبرُ أعمى عيوننا كما أعمى جرثومتنا بطلة قصتنا
نصرخ بجنون خارج المنطق و العقل بأعلى صوتنا….. الجزء: يُحيطُ بالكل ..؟؟
العلمُ و المعرفة بأحسنِ أحوالهما غير قادرين على نفي وجود قوة علوية خارجية لكن
..
” ماذا إذا “
نزلت كائنات غير بشرية من الفضاء تكلم الناس و تقول لهم عليكم أن تطيعوا ملكنا الذي خلقكم , هو الرب , سيد الكون كله
هل نسمع و نطيع..؟؟ أم نطالب بالبراهين و الأدلة ..؟؟
و إذا جاءت الإثباتات هل نشكك بها ؟؟ ونطالب بما يتوافق مع أهوائنا و ميولنا و رغباتنا ومع ما توصلنا إليه من علم أم بأدلة تجاوز معارفنا بما نعجز عن تبريره
هل الإثبات الذي يتوافق مع قدراتنا العقلية اليوم سوف يبقى ثابتاً مع تطور من يأتي بعدنا أم لهم الحق بالمطالبة ببراهين متوالية و متجددة ..؟؟
هل الإعجاز كافي لكي تثبت هذه الكائنات أنها رسل الآلهة , ربما هي كائنات مخلوقة مثلنا تستغل معارفها الخارقة لكي تُسيطر علينا
.
طرح هذه النوعية من الأسئلة يزول البتة , لو أن رُسل الآلهة سواءً كانوا كائنات فضائية أم مخلوقات نورانية ( ملائكة ) جاءت برسالة دون التزامات أو واجبات تحد من رغبتنا الدفينة بالانتقال من دور العبد إلى دور الإله , نحن البشر بالمطلق نرفض تلك المحدودية و النقص الذي خُلقنا به , نكره الموت ,نتجنب المرض ,ننفر من الفقر و العجز و الجهل و الخوف … لأنها جميعاً تُذكِرنا بأننا لم نكن يوماً آلهة و لن نكون
الأوامر و النواهي , الحقوق و الضوابط مهما علمنا و تيقنا من خيريتها إلا أنها تحد من حريتنا و غرائزنا و رغائبنا و ميولنا و طلباتنا و تمنياتنا , لذلك نرفضها ابتداءاً و نطالب بأدلة و براهين على شرعيتها و إلزاميتها .
” كيف “
سنتعامل مع ديانة لا تحد من حريتنا , ولا تُطالب مشاركة الآخرين بجزء من أموالنا , ولا تخصيص حصة من أوقاتنا لمعرفتة صاحبها و فهمه و التواصل معه ,ولا حتى بضوابط أخلاقية فردية ومجتمعية ..؟؟؟
كيف نستقبل عقيدة تطلق لنا كامل الحرية الجنسية و الغرائزية و المالية دون قيود ….؟؟
هل نبحث عن الأدلة و البراهين على أهليتها ..؟؟
هل ننادي بتحكيم العلم و المنطق و العقل فيها ..؟؟
هل نطالب بأدلة وإثباتات مستمرة متطورة معجزة تناسب كل زمان و مكان تحت طائلة رفضها و عدم تقبلها ..؟؟
بأحسن الأحوال لن نكون مهتمين بالأجابة لسبب بسيط … لا حاجة …..لكون الإلزام منفي
لا داعي للمقاومة فلا أحد يمس سيادتنا و يحد من حريتنا التي نظن بنرجسية غبية أنها مطلقة غير مقيدة
نحن نأتمر ونطيع خاضعين مستسلمين لقانون سير طافح بكل أنواع القيود و الممنوعات و الإلتزامات و الواجبات تحت طائلة العقوبات المالية و الجسدية , لكن عندما يأتي قانون هو أجل و أرقى فيه كل الخير و الصلاح , يحمي أفرادنا و مجتمعاتنا نصرخ و نلوي رؤسنا تأففاً و اعتراضاً
..
.
سوف تنقضي الستون سنة و يأتي الأجل ، عندها تتجلى هيبة الموت ونرى ما رأته جرثومتنا .. نرى (الحقيقة ) لسنا آلهة بل مجرد أوعية زمنية مؤقتة , لها بداية و النهاية آتية لا محالة